10/08/2023

تداعيات حرب أبريل: هل سيقود الاستقطاب القبلي إلى حرب أهلية؟

عبد الرحمن العاجب

مع إندلاع حرب أبريل المدمرة بدأت ترتفع وتيرة الاستقطاب القبلي بهدف دعم طرفي الصراع. ومعلوم للجميع إنه في دول العالم الثالث، ومن بينها السودان، والمجتمعات التقليدية، تعد القبيلة من أهم الوحدات الاجتماعية وتشكل العمود الفقري للمجتمعات.

للقبيلة أربعة عناصر رئيسية هي (عنصر سياسي، عنصر اجتماعي، عنصر اقتصادي، عنصر ثقافي)، وسيكون لكل عنصر من هذه العناصر تأثيره على الصراع والاستقطاب الحالي.

بالنظر للبعد التاريخي أدى إعطاء الإدارة الاستعمارية البريطانية الصلاحيات الواسعة للإدارات الأهلية، باعتبارها المركز الرئيسي لتطبيق السياسة الاستعمارية، إلى خلق صراع بين عشائر القبيلة الواحدة بسبب الاستخدام الفردي للأراضي، كما أدى إلى صراعات بين قبائل الرعاة والمزارعين حول ندرة الموارد، ولعبت سياسة توزيع الوحدات الإدارية دور كبير فيها حيث تم فرض حدود بين القبائل، وخلق هذا الواقع انقساما اجتماعيا لازال موجودا.

القبيلة كمعطى سياسي واقتصادي تظهر في أطروحة (محمود ممداني) الذي يفترض أن تسييس القبيلة من أرث الاستعمار الذي استخدم التقسيم القبلي كأداة لتسهيل حكمه حيث وضع الامتيازات السياسية عند قبائل وهمش قبائل أخرى. ورسم سياسيات واضحة لجعل التمثيل السياسي والامتيازات الاقتصادية مرتبط بالولاء القبلي للمجموعة التي ربط الاستعمار تأسيس الدولة بها، مما أدى إلى استحداث الهوية السياسية على أساس قبلي، وساهمت تلك السياسة في إعطاء زعماء القبائل دور أكبر في العملية السياسية في البلاد بجانب البيروقراطيين.

في عهد نظام الإنقاذ المدحور أصبحت القبيلة ذات تأثير قوي في المشهد السياسي والاجتماعي في بلادنا، وذلك بسبب السياسات والممارسات الكارثية لنظام الإنقاذ البائد الذي ظل ممسك بتلابيب البلاد لثلاثة عقود متتالية. وصار الأمر فيها أكثر حدة وخطورة في ظل ما أفرزته هذه السياسات والممارسات من تصعيد لنزعة العصبية القبلية، وهذا بسبب إنهاك مؤسسات المجتمع المدني، بما في ذلك الأحزاب السياسية، حتى فقد المواطن الثقة في هذه المؤسسات، فتراجع إلى رحاب القبيلة والعشيرة بحثاً عن الحماية والأمن والأمان.

هناك ضرورة للتعامل الواقعي مع المعطى القبلي في السودان. وبالتأكيد فإن هذه الإشارة لا علاقة لها بأي فهم يرى فيها دعوة لاعلاء شأن النعرة القبلية، فقطعا لانريد التأطير للقبيلة وإعطائها مشروعية القبول والسيطرة، وندرك تماماً أن مفهوم القبيلة بالضرورة يتناقض مع مشروع بناء الدولة الحديثة التي تقوم على رفض الإنتماء والانحياز إلا لما هو إنساني، وهذا ما يجب أن يفهمه قادة الأحزاب السياسية وحركات الكفاح المسلح وجنرالات القوات المسلحة وقوات الدعم السريع ومنظمات المجتمع المدني الفاعلة والنشطة.

على كل الفاعلين السياسيين أن يفهموا جيداً إن إعادة بناء الدولة السودانية يتم بمشاركة كافة مكوناتها السياسية والاجتماعية والثقافية والقبلية والإثنية، وليس بإحزاب سياسية، فقط، أو حركات مسلحة أو جنرالات تبنوا شعارات وقيم سامية مثل الديمقراطية وبناء السودان الجديد والعدالة الاجتماعية والمساواة، وهي في غالبيتها شعارات ظلت تكررها تلك القوى السياسية والجنرالات حتى فقدت محتواها وأصبحت غير مجدية.

واقع الانقسام الاجتماعي، وتمزق جسد المجتمعات السودانية الذي تشهده البلاد الآن، يحتم ويفرض على قيادات الأحزاب السياسية وحركات التحرر الوطني، المدنية والعسكرية، ومنظمات المجتمع المدني تقديم أطروحات نظرية لتجاوز معضلة الانقسام الاجتماعي من أجل بناء السودان الجديد الموحد، وخلق إطار جامع للقبائل والإثنيات، يتجاوز الإنتماء البسيط إلى الإنتماء المركب الذي يقود بدوره إلى تأسيس دولة قومية حقيقية.

ويبدو واضحا من خلال الواقع الذي تعيشه بلادنا حالياً إن مفهوم القومية في السودان من المفاهيم التي يسعى أغلبية الفاعلين السياسيين التأسيس له كإطار للخلاص من إشكاليات البناء المجتمعي، وخلق وحدة جامعة للقبائل والإثنيات في السودان، من خلال القومية التي هي في الأساس حركة أيدولوجية تهدف إلى الوصول إلى الاستقلال والوحدة والهوية والحفاظ عليها لمصلحة شعب يعتقد بعض أبنائه أنهم يشكلون أمة.

ولتجاوز تداعيات حرب أبريل المدمرة، وحتى لايقود الاستقطاب القبلي الحاد الذي تشهده البلاد حالياً إلى حرب أهلية، على جميع الأحزاب والفاعلين السياسيين ومنظمات المجتمع المدني والجنرالات أن يعملوا بشكل جاد وفعلي وسط المجتمعات السودانية من أجل تجاوز الإنتماء البسيط إلى الإنتماء المركب الذي يقود بدوره إلى دولة السودان الجديد القومية، التي تعبر عن الجميع وتحقق قيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وكل ما هو إنساني. إذا ظل الجميع يعملون بشكل جاد وعملي من أجل تحقيق تلك الأهداف والقيم السامية فحتما أن حرب أبريل الحالية لن تقود إلى حرب أهلية كما ظل يعتقد ويراهن البعض.

معرض الصور