01/09/2023

أحمد طيفور صحفي قتلته المأساة

صديق محيسى

في العام 1961وفى جريدة الزمان انضم إلينا الراحل أحمد طيفور مفتش الغيط الذي فصل من مشروع الجزيرة بسبب الإضراب الشهير لمفتشي الغيط، فإختار الصحافة بديلاً لوظيفة المفتش. وبعد أن كان يعمل فى فرز القطن جاء يجرب فرز الأخبار.

جاء طيفور ذو الجذور الأريترية إلى الزمان وعمل بها سنتان، نشط خلالهما في كتابة المقالات عن الثورة الأريترية فواتته فرصة الاقتراب منها. فكان أول صحفي سوداني يدخل إلى الأراضي التي حررها الثوار من الجيش الأثيوبي المحتل.
قضي طيفور شهرين في الأراضي المحررة، وعاد حاملا حصيلة وافرة من الحقائق والمعلومات والأسرار عن الثوار وعن بطش وتنكيل الإستعمار الإثيوبي بالشعب الإريتري. ولكن رئيس التحرير عبد العزيز حسن رفض نشرها خوفا من إغضاب حكومة عبود وهي في آخر سنواتها، وكانت علي علاقة طيبة مع الامبراطور هيلاسلاسي الذي يستضيف منظمة الوحدة الأفريقية.

لم يكن الاختيار قد وقع على أحمد طيفور إلا بعد أن اعتذرت أنا عن قبول الدعوة. كان ذلك في أمسية شتائية عندما دخل وفد من جبهة التحرير الأريترية إلى مبني الجريدة يحمل بعض البيانات العسكرية لعمليات للثوار ضد الجيش الأثيوبي. وكنت ساعتئذ مسؤولا عن صفحة الأخبار العالمية، فعرض علي الوفد الذهاب إلى الأراضي المحررة فقبلت الدعوة. ولكن رئيس التحرير عبد العزيز حسن رفض مجرد الاستماع إلى الإقتراح. غير أن أحمد طيفور انبرى للمهمة، وأبدى استعداده للسفر دون موافقة رئيس التحرير الذي أخبره بأن يبحث له عن جريدة غير الزمان لنشر إنطباعاته.

توجه طيفور إلى الأراضي المحررة بعد أن رتبت له جبهة التحرير الأريترية، تحت قيادة عثمان صالح سبي ابو الثورة الإريترية، وسط إجراءات أمنية مشددة حتي الوصول الاراضي المحررة. وببالغ السرية جري الإعداد للرحلة الشاقة المحفوفة بالمخاطر سيراً على الأقدام أحيانا أو فوق ظهور الجمال احيانا اخرى. وكانوا يخبون فى السير ليلا وفي الأسحار ويتحاشونه في الليالي المقمرة.

مكث طيفور قرابة الشهرين بين الثوار وعاد بحصيلة وافرة من المعلومات واللقاءات مع المقاتلين والقادة الميدانيين والفظاعات التي كان يرتكبها الجيش الإثيوبي في حق الشعب الإريتري، أبرزها حرق القرى والمزارع ودفن وتسميم آبار المياه.

عاد إلى الخرطوم فوجد ثورة اكتوبر الشعبية أطاحت بنظام الفريق عبود فالتحق بجريدة اكتوبر التي أصدرها السياسي الاتحادي صالح محمود اسماعيل، وهو أول وزير إعلام في أول حكومة لثورة أكتوبر الشعبية. وكان اسماعيل من الأقلام المشهورة يكتب عموداً أسبوعياً راتبا بعنوان “اصداء” في صحيفة الأخبار لصاحبها رحمي محمد سليمان. وبعد تركه الوزارة أصدر صحيفة بإسم 21 أكتوبر تيمنا بالثورة التي اطاحت بنظام عبود. وكان صالح مؤيداً قوياً للثورة الإريترية ووافق علي الفور علي نشر تحقيقات طيفور. وكانت كما يصفها الكاتب الصديق عمر جعفر السّوري نصراً مهنياً، وفتحاً في دنيا الصحافة السودانية. فهي تكاد تكون المرة الأولى التي تذهب فيها صحيفة بحثاً عن الحدث خارج الحدود. وأضحت تلك التحقيقات التي كانت تملأ صفحة من ثمانية أعمدة وتفيض أحيانا، حديث الناس، ليس في العاصمة فحسب، بل في مدن السودان كافة.

أصبح أحمد طيفور نجما لامعا وبطلا مغوارا.

احدثت التحقيقات ضجة كبري في الوسط السياسي. وكانت ردة الفعل عنيفة غاضبة لدي الملحق العسكري ورجل المخابرات القوي الكولونيل ترّقْي الذي أرسله الامبراطور هيلاسلاسي إلى السودان لإحصاء أنفاس الثوار الإريتريين. وكان عليه أن يتصرف بسرعة تجاه ما جرى خوفا من عقاب ملك الملوك اسد يهوذا. فشرع في صمت يفكر في توجيه ضربة لطيفور تبطل كل ما قام به.

وبمساعدة صحفيين عملاء له دّبر الملحق ترقى خطة للإيقاع به. وبالفعل تم إستدراجه إلى فندق المنتزه وهو فندق جديد شرق الخرطوم يتوسطه حوض سباحة يشع بالأضواء وتتناثر حوله طاولات أنيقة في جو شاعري.

وجد طيفور نفسه وجها لوجه أمام سفير جهنم كما كنا نطلق عليه. ولكنه كان غير عابيء وذلك لوجود إثنين من زملائه مستبعدا في الوقت نفسه أن يقوم المضيف بأي تصرف يعكّر جو السهرة. فدارت الكؤوس تسري في الرؤوس فدس “ترقى” في كأس طيفور مخدرا ثقل به لسانه وجسمه بينما انسحب الصحفيان في هدوء بعد أن أكملا المهمة. حمل سفير جهنم ضحيته المترنحة الفاقدة الوعي إلى سيارته متوجها بها إلى منزله في حي العمارات الراقي. وهناك قام بتصويره في أوضاع شاذة إستخدم لقطاتها المشينة فيما بعد ضده ومهددا اياه بنشرها في الصحف وتوزيعها علي معارفه واصدقاؤه اذا لم يلب شروطه. وكانت الشروط هو أن يضع اسمه علي كتاب بعنوان “حقيقة جبهة التحرير الأريترية” كتاب يسيء إلى الثورة ويصور الثوار “كشفته” قاطعي طرق. ولم يجد الراحل بدا من الإذعان لضغوط عنيفة مارسها ذلك المجرم ضده.

كان كتاب “حقيقة جبهة التحرير الإرترية بقلم أحمد طيفور” قد بدأت طباعته في مطبعة جريدة الزمان التي أصدرها ورأس تحريرها الصحافي عبد العزيز حسن، الذي أتهم بأنه كان حلقة الوصل الأولى بين ترّقي وأحمد طيفور . وجاء بعض عمال المطبعة الذين ساءهم ما كان يُعد إلى القادة الإرتريين وأطلعوهم على الأمر وزودوهم بنسخ من مسودات الكتاب قبل الطبع. لم يكن الكتاب من تأليف أحمد طيفور، والحديث هنا للصحفى عمر جعفر السوّرى ولكنه بني على ما كتبه في “21 أكتوبر” وبمكر دونه مكر الثعلب. فالكتاب وبخبث شديد يدعي فيما يدعي إن الإرتريين يسعون إلى فصل كسلا إذا تحررت دولتهم.

سعي وفد من القادة الأريتريين من بينهم عمر السّوري سعيا محموما لمعرفة كاتب الكتاب الأصلي. وقصدوا حسب رواية السّوري الصحفي والشاعر المعروف حسين عثمان صاحب ورئيس تحرير مجلة الصباح الجديد في مكتبه. فأمسك الرجل بالمسودة وقرأ المقدمة: ” ثم تصفح بعض الأبواب. وبعد صمت عميق استغرق دقائق معدودات، قال لهم “مقدمة الكتاب هذه وتلك السطور المتناثرة في المتن لا يكتبها في السودان إلا اثنان في الوسط الصحفي أنا أحدهما. ولكنني لم أفعل ذلك، أما الثاني فهو”ع ح” المشهور بعلاقته القوية بترقي.

مضت جرائم “ترقي “او” “تركن ” تجاه الإريتريين وطيفور دون تحقيق أو مسائلة من أحد. وكل ما فعلته الحكومة الإتلافية بين حزبي الأمة والوطني الإتحادى وجّهت وزير الخارجية بالإنابة إبراهيم المفتي ليعقد مؤتمرا صحفيا تلفزيونيا يوضح فيه ما جري. ولكن الرجل بطيبته المتناهية وعدم إلمامه بخلفيات القضية فشل في أن يقدم أية معلومات تفيد الصحفيين. فطوي الموضوع في دوامة صراعات الحزبين ولم يعد يذكره أحد.

أطلق سفير جهنم كما كنا نطلق عليه، أطلق يده استباحة لمجتمع الخرطوم دون مسائلة من أحد. وعقد صداقة مع رئيس الوزراء محمد أحمد المحجوب، وكان يزوره في منزله متي شاء ودون مواعيد ليبتز بهذه الزيارات الأمن السوداني والوزراء والمسئولون تأمينا لتحركاته.

أقام ترقى شبكة جاسوسية قوامها سياسيون وصحفيون، بل وجنّد المومسات الإثيوبيات في الخرطوم والمدن السودانية الأخري للتجسس علي الأريتريين والمتعاطفين معهم. وكانت أكبر جرائمه تصفية المعارض الأثيوبي كبدي تسما واثنين من مساعديه الذين عثر على جثثهم في الفضاء الواقع بين المطار وبري.

افتتح سفير جهنم ناديا في الخرطوم اثنين، اسماه نادي الجالية الإثيوبية يقدم المشروبات والأكلات الإثيوبية باسعار رخيصة نادلاته فتيات إثيوبيات جميلات لجذب الزبائن. وبالفعل صار هذا النادي قبلة للصحفيين والسياسين ونجوم المجتمع لرخص أسعاره. وبهذا استطاع “تركن” أن يؤمن مصدر معلومات جديد قوامه زوار النادي متعددي المشارب.

عاد إلى السودان هاربا بعد الإنقلاب الذي قاده منغستو هيلا ماريام ضد الإمبراطور هيلاسلاسي عام 1974، ولكن مخابرات النميري اعتقلته في الحدود وسجنته سنوات طلب بعدها اللجوء إلى بريطانيا حيث توفي هناك.

معرض الصور