14/09/2023

كارو الحرب أخر ملاحم صاحب اوبريت الملحمة

الخرطوم ـ الزين عثمان
من فوق عربة يجرها حصان، غادر شاعر الثورة السودانية هاشم صديق منزله في منطقة بانت أمدرمان الى مكان أخر هرباً من الموت والحرب وبحثاً عن الأمان في مكان أخر.

كان على كاتب (الملحمة) وهي اوبريت غنائي يجسد انتصار انتفاضة الشعب ضد اول حكم عسكري في البلاد في ستينيات القرن الماضي ان يخوض ملحمته الأخرى من أجل الحياة، وهو الذي سبق وأن كتب حاجة فيك زي نقر الاصابع لما ترتاح للموسيقي وذلك زمان قبل ان تدوس ذات الاصابع على الزناد فتحول الحياة في امدرمان لواقع أخر، واقع لم يعتاده الشاعر والمؤلف المسرحي ومقدم برنامج سينما 90 في تلفزيون السودان بموسيقاه التي الفها السودانيون، ورائعته التي يتغني بها الفنان ابوعركي البخيت (اضحكي).

يقول اهالي بانت حيث يقطن صديق انه ومنذ اندلاع الحرب منتصف ابريل ارتفعت بينهم والحياة أسوار الموانع، ولم تعد تضحك الكهارب في الشوارع ناهيك عن الشوارع لم يعد النور يصل حتى الى الغرف المبنية من الطين والماء الصالح للشرب كما ان جسد الشاعر لم يعد قادراً على الحياة دون دواء ومشافي مشرعة الأبواب. وحده عشق المكان والارتباط الوجداني والذكريات تجعله عاجزاً عن مغادرة الحبيبة امدرمان كما يتم وصفها في الأغاني.

ان يتم إجلاء صاحب (الملحمة) بعربة يجرها حصان أمر مثير للأسى، ويعيد تفاصيل الجدل حول المألات الكارثية للحرب لكن بالنسبة لمن ساهموا في اجلائه من مكانه فأن امر عربة الكارو كان الخيار الوحيد المتاح بعد تحول المنطقة المجاورة لسلاح المهندسين لمنطقة مواجهات عسكرية بين قوات الجيش والدعم السريع صار من المستحيل الحصول على سيارة يمكنها ان تساهم في عملية الإجلاء. وبعد طول انتظار خرج الشاعر عبر هذه العربة نتيجة مجهودات من هم حوله الذين اشاروا في نهاية المطاف لمغادرة الشاعر لمكان آمن وامكانية استمراره في رحلة العلاج والحصول على الادوية.

في تسجيل صوتى عبر الوسائط طمأن صديق معجبيه على صحته، وأنه بات في مكان أفضل من الاول دون أن ينسى ان يخبرهم بعضاً من احلامه التي تمحورت حول مغادرة البلاد من أجل اعاة طباعة دواوينه الشعرية وكتابة مسرحية جديدة لصاحب (نبتة) قد تكون قصتها عن الحرب واحلام السلام.

غادر صديق مكان الموت دون ان يغادر الموت شوارع الخرطوم وامدرمان ومدنا سودانية أخرى. غادر تاركاً الصورة وعبارات يشكر فيها البعض (الحصان) الذي فعل ما عجزت عنه دولة كاملة وما عجز عنه المتحاربون في عبث قتل كل ما هو جميل.

غادر الشاعر بيته محولاً على (كارو الحرب) وهو انسان بسيط كما قال ذات نص لا تغرك القاب الجرائد من صحفي ولا شاعر كاتب ولا ناقد كل زي يفط الدكاكين والمطاعم، تلقى مكتوب مطعم الجنة الفريدة وجوة قدرة فول وحلة وموية للعطشان في قلة. غادر متبوعاً بالسؤال هل في زمن الحرب يمكنه ان يبعد الهم بالكتابة وينصر الفقراء والغلابة ويدفن همه في الموسيقى في بلاد لم يعد مسموع فيها غير صوت دوي المدافع والقنابل؟ وما في الصوت غير الهتاف للخرطوم، انزحي الشجن السكن جوايا من عصف التجارب والعذاب، جللي السيف من صدأ الأسف الرضع غدر الدروب، اغسليني من الهواجس والمواجع والذنوب، امزجي الود بالقناعة، عمّري الريد بالصداقة وانقذيني.

https://www.alarabiya.net/north-africa/2023/09/14/حصيلة-مرعبة-لضحايا-فيضانات-ليبيا-11-ألف-قتيل-و20-ألف-مفقود

معرض الصور