20/09/2023

السودان.. اشتعال (سوق المليشيا) الذي شيده البشير

يوسف حمد

إذا كان استمرار الحرب الخرطوم يعد العنوان الأنسب لفشل الجهود الديلبوماسية الإقليمية والدولية، فإن هذا الفشل لم يكن وليد يوم 15 أبريل، يوم بدء الحرب؛ إنما بدأ منذ سنوات، وآن للجميع أن يتعامل مع نتائجه بطريقة أو أخرى.

فعلى مدى 4 سنوات ماضية، وبعد ما يقارب العقد من أحداث (الربيع العربي)، كانت شوارع هذه العاصمة العملاقة مليئة بالبنبان الحارق وأدوات القنص الموجهة إلى أجساد الثوار السلميين، المطالبين بالديمقراطية وبناء الجيش المهني الواحد، المبتعد عن السياسة.

حتى حين، تمكن السودانيون من الإفلات ببلدهم من مصائر ذلك الربيع السياسي المفضي إلى الحروب. لكن من هو الزعيم الذي كان يرغب للعسكريين السودانيين أن يبتعدوا عن السياسة وللديمقراطية أن تزدهر؟

في الواقع، لا أحد من زعماء المنطقة ودول الجوار كان يطربه أن تحقق الثورة السودانية غاياتها، أو كان يرغب في تحالف استراتيجي مع هؤلاء الثوار السلميين الباحثين عن الديمقراطية. على العكس، سرعان ما بدأت العراقيل، وتدحرج البلد إلى حرب شاملة هزت الكثير من مسلماته.

ففي وقت مبكر من عمر الثورة السلمية، اختارت دولا مؤثرة، مثل مصر والإمارات والسعودية، الالتفاف حول العسكريين والتحالف معهم، وأصرت بعناد على عدم فهم مطالب السياسيين والمدنيين السودانيين المتطلعين إلى نظام حكم ديمقراطي بعلاقات خارجية متزنة ومحايدة. ورغبت بعض الدول في استمرار السياسات التي خطها عمر البشير، أو الناجمة عن محدودية خياراته، وربما سعت إلى تعميقها ومواصلة الاستفادة منها، وكان من بينها الاستثمار في وجود قوتين مسلحتين في البلاد.

كانت هذه السياسات الاستثمارية مكشوفة للثوار والناشطين السياسيين، وصرحوا بالاحتجاج عليها في حينها.

فعلى سبيل المثال، هتف المعتصمون في ساحة الاعتصام (مايو 2019)، ضد الرئيس المصري الذي أظهر انحيازه للعسكريين إبان توليه لرئاسة الاتحاد الأفريقي، ولم تكن الأطرف قد توصلت بعد إلى (الوثيقة الدستورية) التي انقلب عليها قائد الجيش وقائد الدعم السريع بمساعدة عناصر نظام الإخوان المسلمين البائد.

وبعد سنة واحدة من توقيع الوثيقة الدستورية (2019) كان الثوار السلميين ضجرين للغاية من العلاقات المشبوهة بين العسكريين ودول الخليج الغنية بنفطها.

كتب في التاريخ أن السودان بالنسبة لمحيطه العربي المؤثر هو مكان الذهب والرجال، ولا يبدو أن شيئا قد تغير. ومنذ عقد السبعينيات، كان السودان هو عبارة عن مستودع للموظفين والمهنيين والعمال، منزوعة منهم الاهتمامات والأنشطة السياسية.

ولما يقارب العقد، كان هذا البلد (42 مليون نسمة) سوقا للمليشيا التي برع نظام عمر البشير في صناعتها، وأصبح السودان مصدرا للمقاتلين والحراس الأمنيين الذين يقاتلون لجني المال في كل من اليمن وليبيا.

غير ذلك أيضا، حاولت دول الاتحاد الأوروبي الاستفادة من سوق المليشيا الذي فتحه عمر البشير. ففي يونيو 2016، أعادت حكومة عمر البشير نشر 400 مركبة خاصة بقوات الدعم السريع في مدينة الدبة بالولاية الشمالية، ومن هناك شنت هذه القوى حملات ناحية الحدود الليبية، وزعمت وقتها أنها قبضت على 1500 مهاجر غير شرعي.

تزامن هذا الحدث مع منحة الاتحاد الأوروبي (51 مليون دولار) المقدمة للسودان في إطار مشروع (عملية الخرطوم) التابع للاتحاد الأوربي والمصمم لوقف الهجرة إلى أوروبا. وفي وقتها، قدم قائد قوات الدعم السريع نفسه بمثابة الوكيل التنفيذي لهذا المشروع.

كيف بنى البشير سوق المليشيا؟

كان ضمن سياسات نظام عمر البشير الخاطئة هو تجنيده للمجاهدين كقوات (دفاع الشعبي). في بادي الأمر، كان قوامهم من طلاب المدارس والجامعات ونشطاء الحركة الإسلامية. وكان الغرض الأساسي من ذلك هو خلق الثقل العسكري الموازي للقوات المسلحة السودانية ذات المزاج العلماني.

ولسنوات طويلة تبنى نظام عمر البشير معتقدا جازما بأن المليشيات أكثر كفاءة وأقل كلفة، سواء كان أفرادها من المجاهدين أو البدو الذي انقطعت بهم سبل الحياة العصرية وتباعدت عنهم خدمات الدولة.

ومنذ السنوات الأولى لنظامه، رسخت لدى عمر البشير أنه محارب بأعداء من الخارج، وكذلك من الداخل، هم القاعدة السياسية التي تعارضه، وبهذا المنطق برر الاستخدام العنيف للمليشيا في قمع المظاهرات السلمية، مثلما جرى في سبتمبر 2013، على سبيل المثال.

وساعد تطاول أمد حكومة عمر البشير وحروبه الكثيرة على صقل خبرته في الاستعانة بالمليشيات، حتى وصل إلى اختراع قوات الدعم السريع التي تحارب الجيش السوداني منذ أبريل الماضي. وحين انقضى العام (2014) كان لهذه القوات قانونها الخاص المجاز من قبل برلمان نظام البشير.

بذلك تكون عبقرية البشير قد تفتقت وانتجت أسوأ تجربة للاستعانة بالمليشيات غير النظامية، ومنحها صلاحيات واسعة لاستخدام السلاح ضد الخصوم السياسيين الذين دفعهم لحمل السلاح، أو ضد المدنيين في القرى المشتبه في أنها تأوي متمردين على الحكومة. وكان نكران جرائمها جزءا من المنطق المعتمد لديه.

وعلى مر السنين، كان لهذه الاستراتيجة الرخيصة مزاياها الواضحة بالنسبة للبشير. لكن مع الوقت أصبحت كلفتها أكثر ثقلا من أي وقت مضى، إذ أضحت تهدد وحدة السودان كدولة، وكذلك، استقرار الإقليم بأكمله.

وفي الواقع، كان من الصعب على نظام البشير تجنب الكلفة؛ إذ أصبحت هذه المليشيات غير النظامية المعدة محليا أكثر وضوحا من القوات النظامية المحتكرة للسلاح في الدولة التي يديرها. وربما تبدو قدرة هذه المليشيات على كسب قوتها ومكافأة نفسها عن طريق الغنائم أقل تطلبا مقارنة بالاعتماد على الجيش النظامي، ولكن مع الوقت، أثبتوا أنهم أكثر كلفة بما لا يقاس نظرا للمطالب المالية والسياسية المتزايدة. فما الذي ننتظره من الدبلوماسية البطيئة المنعقدة في (منبر جدة)؟

معرض الصور