02/12/2023

``يونيتامس``... جرد الحساب

خالد ماسا
لايحتمِل النقاش في موضوع بقاء أو إنهاء عمليات بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الإنتقال في السودان "يونيتامس" طبيعة الهيجان والتشنج والإصطفاف التي يتعاطى بها طرفا المواقف من البعثة، المنقسمين بين مؤيد ومناهض لقرار مجلس الأمن في جلسته الآخيرة حول إنهاء ولاية البعثة في السودان. مع الإحتفاظ للطرفين بحقهما في تكوين رؤيتهما وتقييمها لضرورات بقاء أو ذهاب البعثة فقط مع تقديم "حيثيات" تدعم هذه المواقف بعيداً عن التعميم وخلط الأوراق الذي لا يخدم على الأقل التقييم الإيجابي لتجربة "يونيتامس" من طرفنا نحن كسودانيين، والذين لم نُعمل التحليل في تجارب سابقة لبعثات الأمم المتحدة في السودان وإنحصرت النقاشات كلها في ضيق الأفق الذي يقود المشهد السوداني لمزيد من الإحتقان والمزايدات.

ولا نعتقد أن من المُفيد، لنقاشات التقييم، الإنصراف لمغالطات تغبيش الوعي العام بأن الإرادة التي جاءت ببعثة "يونيتامس" إلى السودان هي إرادة شخصية ومنفرده لرئيس وزراء الفترة الإنتقالية الدكتور عبدالله حمدوك. لأن هذا الإعتقاد مجاف للحقيقة أولاً وفيه سوء تقدير لإرادة المنظمة الدولية "الأمم المتحدة" نفسها وآليات صناعة القرارات من هذا النوع في أحد أقوى أجهزتها "مجلس الأمن" ثانيا .

جاءت البعثة الاممية المتكاملة لدعم الإنتقال بقرار صادر عن مجلس الأمن ( 2579 / 2021م) بتفويض بمهام منصوص عليها في القرار لم تتعد حدود المساعدة في الإنتقال السياسي والتقدم نحو الحكم الديموقراطي وحماية حقوق الإنسان وتحقيق السلام المستدام والذي وافقت ورحبت به حكومة الإنتقال بكامل هياكلها آنذاك.

يجب أن يشمل التقييم المهام المذكورة في التفويض منذ صدور القرار المذكور أعلاه وحتى صدور القرار ( 2715 / 2023م) في الثالث من ديسمبر الحالي الذي قضى بانهاء تكليف البعثة الأممية.

بادرت "يونيتامس" بإطلاق مشاورات سياسية في يناير 2022م تفضي لتحول ديموقراطي سلس في السودان ويشمل كل القوى المكونة لفترة الإنتقال. وهنا نعتقد بأن البعثة لم تجد المناخ المناسب لإنجاز هذا التكليف بسبب حالة الإستقطاب الحادة التي شهدها المشهد العام، والتي خلقتها قرارات 25 أكتوبر 2021م وموقف البعثة من هذه القرارات والذي جاء على لسان رئيس البعثة / فولكر بيرتس والذي وصفها بالإنقلاب. ويعتبر هذا الموقف نقطة تحول رئيسية في تقييم سلطة 25 أكتوبر لأداء البعثة ورئيسها في السودان.

إتفاق 21 نوفمبر 2021م الذي وقعه منفردا رئيس الوزراء المعزول وقتها، عبدالله حمدوك، كان من المظاهر التي تخلق إلتباس كبير لأي جهة أو شخص يأتي من خارج الخضم السياسي السوداني المتعود على هذا النوع من التقلبات. وعلى الرغم من ذلك باركت البعثة الإتفاق الذي لم يصمد كثيراً لينهار باستقالة عبدالله حمدوك لتبدأ البعثة من جديد تحسُس طريق تفويضها الأصيل في إستعادة مسار الانتقال عبر ماتم تسميته بالآليه الثلاثية (يونيتامس/ الإتحاد الافريقي/ إيغاد) .

لم يكن فولكر بيرتس دقيقاً في توصيفة للعملية السياسية التي جرى التوقيع على إتفاقها الإطاري في الخامس من ديسمبر 2022م عندما قدم إحاطته أمام مجلس الأمن في الثامن من ذات الشهر، عندما قال ما يطمئن به السامعين على العملية التي ترعاها بعثته وإنها ستقودها لانجاز مهمتها المذكورة في التفويض. ببساطة لأن " العملية السياسية" كانت قد خلقت إنقسام حاد في المشهد السياسي وباعد الإصرار عليها بشكلها الذي جرى بين المنخرطين فيها وبين المكونات التي أبدت ملاحظاتها عليها أو رفضتها جملة وتفصيلاً. وفي ذات الوقت لايمكن إنكار أن طرفي حرب أبريل كانا جزءاً أصيلا من الذي تم التوقيع عليه في 5 ديسمبر وما تم الاتفاق عليه في ورش العملية السياسية.

هذا النقص على التمام يمكننا أن نُسقطه على التفويض الممنوح للبعثة في ما يخص دعم عمليات السلام. إذ أنه وعلى الرغم من إسهام مجهودات "يونيتامس" في توقيع إتفاقية جوبا للسلام وإعتبار ما حدث إختراق مهم وكبير في هذا الملف، إلا أن التوقيع دون أن يشمل ذلك أطراف ذات علاقة أصيلة بقضية الحرب في السودان شكل نقصا كبيرا ومؤثراً لو أردنا أن نقييم أداء البعثة في هذا التفويض .

المناخ الذي صنعته حرب أبريل لانعتقد بأنه يصنع البيئة الملائمة لعمل مثل هذا النوع من البعثات ذات الطبيعة السياسية، خاصة في ظل تصريح السلطة الحاكمة بعدم رغبتها في وجود رئيس البعثة ومطالبتها بتغييره وتشكيلها للجنة برئاسة عضو في المجلس السيادي لتحديد طبيعة التعامل مع البعثة، والتي وعلى الرغم من تأمينها على متابعة عدد من المهام مع البعثة إلا أن القرار من مندوبي السودان في جلسة المجلس بعد أسبوع من ذلك كان هو إنهاء التكليف .

"التهليل" لصدور القرار القرار (2715 / 2023م) باعتباره إنتصار للدبلوماسية السودانية نعتقد بأن فيه إختصار مخل بالتقييم الشامل لمترتبات ما بعد صدور هذا القرار من مجلس الأمن، ولعله وجه باجراءآت متعلقة بالحالة السودانية من الضروري التعامل معها ودراستها بعيداً من مجرد طقوس إحتفالية.

صدور القرار باغلبية 14 صوت من جملة 15، بعد إمتناع روسيا عن التصويت، يجب أن يُقرأ بعقل يفهم آليات الامم المتحدة وتقاطعات السياسة الدولية وعلاقتها بما يدور في السودان. كما أن التفكير أو التلويح بانتقال الحالة السودانية من ولاية البعثات الأممية ذات المهام "السياسية" بالبند السادس لولاية البعثات الأممية ذات المهام "العسكرية" بالبند السابع سيكون طريقا مفروش بالورود، سيوقعنا في ذات الإختلال في التعامل مع قرارات الأمم المتحدة الغير جاهزة "مالياً" لهذا النوع من الخيارات في ظل عالم مشتعل .

الوصف الذي جاء في خطاب بعثة السودان في الأمم المتحدة أمام مجلس الأمن لأداء بعثة يونيتامس بأنه كان أداءأً "مخيب للآمال" كان من الواجب أن يأتي مدعوما بحيثيات ساعدت بها السلطة الحاكمة البعثة في أداء مهامها في مقابل جملة العراقيل التي وضعت أمامها .

كما أن تصريح الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيرش، ردا على سؤال عن هل يعتبر قرار إنهاء تكليف البعثة فشلا للمنظمة الأممية بأن "ما يحدث في السودان خطأ الذي فرّط في مصالح شعبه من أجل صراع محض على السلطة" فيه تنصُل من المسؤولية المباشرة له كأمين عام ولمبعوثيه ولموظفيه وللمنظمة للمسؤولة عن ما حاق بالشعب السوداني طوال شهور الحرب .

معرض الصور