01/01/2024

العدالة الانتقالية والإعلام: علاقة رئيسية غير أنها مهملة

رفيق هودجيج

”لقد اعتدنا النزاع؛ خلق هذا الاعتياد حلقة مفرغة يفضل الكثير فيها يقين الحرب - بقواعدها الواضحة ومخاطرها التي يمكن التنبؤ بها، ووقع عبء الموتى على الآخرين، مع روتين الكراهية وأعداء محددين بدقة - على حالة عدم يقين السلام. القرار أمامنا، نحن المواطنون، مطالبون بمسؤوليات غير مسبوقة . أهمها وربما أسهلها: أن نُعلِم أنفسنا جيدا. لذا سيكون علينا بحث - ضمن شبكة فوضى من ديماغوجية اليمين و شعبوية اليسار - الموارد الشحيحة من الحقيقة والتقدير والسماحة. في الوقت الراهن، آمل أن نكون عند حسن ظن اللحظة".

نُشرت هذه الكلمات من الكاتب الكولومبي خوان غابرييل فاسكيز مؤخرا في نص يتناول الفرصة التاريخية التي قدمت للشعب الكولومبي في الاستفتاء على اتفاق السلام بين الحكومة ومتمردي القوات المسلحة الثورية الكولومبية. تلتقط هذه الكلمات ببراعة الصراع في المجتمعات التي تتعامل مع إرث النزاع أو قمع الدولة العنيف لحشد المواطنين المطلعين للنضال من أجل الحقيقة وحقوق الضحايا، و إلى إصدار أحكام مستنيرة بشأن كيفية التعامل مع الماضي، وفصل الحقائق عن الشبكة اللزجة للخطاب السياسي والإنكار والدعاية المستقطبة. هذا النضال من أجل مواطنة مستنيرة يعتمد بشكل حاسم على الاتجاه الذي تتخذه أحد أهم عناصر التغيير الاجتماعي - أجهزة الإعلام.

تشير تدابير العدالة الانتقالية إلى تحول في القيم السائدة في المجتمع - من بيئة لا أمان فيها لأي شخص ينتمي إلى الفئة المستهدفة، إلى سلام مستدام ومنظومة قيم تحترم سيادة القانون ويثق المواطنون في الدولة كضامنة لحقوقهم. ليس هناك حل سحري لجعل هذا التحول يحدث بين عشية وضحاها - عادة ما يستغرق سنوات، إن لم يكن عقودا، لينبسط وليُمدّ جذوره في المجتمعات المستقطبة للغاية، حيث تشكل الفاجعة وعدم الثقة الرأي العام.

في مثل هذه الظروف لا تقدم تقارير وسائل الإعلام الحقائق ببساطة، بل تصيغ معايير لتفسير القضايا السياسية الخلافية. التغطية في مثل هذه السياقات المستقطبة يمكن أن تسهل أو تحجب جوهر جهود العدالة الانتقالية لتحديد ما حدث، وتحديد هوية الضحايا، والمسؤولين عن الانتهاكات. يمكن للتغطية تحفيز أو شل النقاش حول كيفية تعويض الضحايا وضمان عدم تكرار العنف المنهجي.

هذه العلاقة بين أجهزة الإعلام وجهود العدالة الانتقالية محددة تماما من قبل ظاهرتين متضادتين: التعايش والصراع. هناك أمثلة لا تعد ولا تحصى من المشاريع الإعلامية التي كانت حاسمة في تعزيز حقوق الضحايا ونصرة المساءلة وحتى تحفيز عمليات العدالة الانتقالية عن طريق الكشف عن الحقائق المخفية حول الجرائم ومرتكبيها . ففي جنوب أفريقيا، لعبت وسائل الإعلام دورا أساسيا في النجاحات المبكرة للجنة الحقيقة والمصالحة. من ناحية أخرى، الأمثلة من بيرو ودول يوغوسلافيا السابقة، والعديد من السياقات الانتقالية الأخرى، تُظهر أن وسائل الإعلام قد لعبت في كثير من الأحيان دورا سلبيا بشكل قاطع في نقل المعلومات حول محاكمات جرائم الحرب أو لجان الحقيقة، وغالبا ما رسخت مفاهيم عامة خاطئة وأججت الاستقطاب السياسي في مجتمعات ممزقة بالفعل. غالبا ما تنشأ هذه الآثار السلبية من تسييس التغطية الإعلامية، وسردية "نحن” في مقابل “هم"، ومعرفة ضئيلة عن الإجراءات والمفاهيم القانونية من قبل بعض الصحفيين.

ومع ذلك، يجب أن يتحمل ممارسي العدالة الانتقالية نصيبهم من المسؤولية عن هذه العلاقة المضطربة. كثيرا ما ترى مؤسسات العدالة الانتقالية وسائل الإعلام ليس كحليف ولكن كمصدر سيء الإطلاع مزعج، إن لم يكن خصما. فلسفة "عملنا يتحدث عن نفسه" يتخلل العديد من قاعات المحكمة ومكاتب أولئك الذين قراراتهم يمكن أن تشكل بشكل لا رجعة فيه قدرة المجتمعات التعامل مع ماضيها العنيف. في بعض الحالات، أقصى ما يذهبون إليه في ضمان الأثر الاجتماعي لعمل العدالة الانتقالية هو تكليف مكاتب خاصة للعلاقات العامة تحت ستار "التواصل"، بينما فكرة العمل مع وسائل الإعلام لضمان هذا التأثير الأوسع يتم اختزاله في تنظيم تدريبات "وندوات تثقيفية" للصحفيين.

غالبا لا تتعدى جهود التوعية هذه عن "علاقات عامة من خلال وسائل أخرى" وتحقق القليل لخلق شعور حقيقي بالملكية المشتركة بين الجماهير الرئيسية للعدالة الانتقالية - الضحايا والمجتمع المدني وصانعي السياسات والجمهور العام. دون مشاركة نشطة من وسائل الإعلام بوصفها عاملا من عوامل التغيير الاجتماعي تعي تماما تأثيرها، هذا الشعور بالملكية سيظل بعيد المنال حتى مع جهود التوعية الأكثر تطورا. وفي الوقت نفسه، يجب على وسائل الإعلام القبول بأن تقويض عمليات العدالة الانتقالية غير متوافق مع المبدأ الأساسي المعلن للصحافة: التصرف بالتوافق مع مصالح الجمهور.

وعلاوة على ذلك، في الأماكن التي تثير فيها وسائل الإعلام العنف وتسهم في نزع الصفة الإنسانية عن الآخر، فإن تغيير اتجاه روايات وسائل الإعلام المهيمنة يقدم مفتاح تحويل الحوار العام من الإنكار إلى الإقرار. مثل هذا العمل يجب أن يبرز أصوات الضحايا ويعمل على أنسنتهم مرة أخرى، ويثبت أن التعاطف مع الآخر ليس عملا من أعمال خيانة المجموعة المسيطرة. مرة أخرى، القطيعة مع الماضي من خلال تدابير العدالة الانتقالية يجب أن تُنقل عبر وسائل الإعلام إن كان لها أن تتبنى بالكامل من قبل الجماهير المستقطبة.

التوصل إلى ذاكرة جماعية حول الماضي أحد أكبر التحديات التي تواجه مجتمع ما بعد انتهاء الصراع لأنه ينطوي على الوصول إلى درجة من التوافق في سياق الاستقطاب. في حين تحاول لجان تقصي الحقائق تقديم رواية موضوعية حول الماضي القمعي أو العنيف للمجتمع، فإنها تتنافس حتما مع وجهات النظر و التفسيرات المتعددة لهذا التاريخ. في جوهرها، يجب على لجان تقصي الحقائق وغيرها من آليات العدالة الانتقالية تخفيف حدة هذا الصراع لحمل المجتمع إلى رؤية مشتركة لهذا الماضي، والتي غالبا ما تنطوي على اعتراف المجتمع ككل بالانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان التي وقعت وبحتمية الاعتراف الضحايا. ومع ذلك، لتوليد مثل هذا القبول، يجب على جهود العدالة الانتقالية الاعتماد على وسائل الإعلام لتشجيع صنع الاتفاق حول الماضي -- والتي هي مهمة شاقة.

ماذا يعني هذا في الواقع؟ إذا كان الهدف من آليات العدالة الانتقالية المختلفة التأثير الموجب على حياة الناس، فإن دور وسائل الإعلام في تبادل المعلومات وتشكيل النقاش يجب أن يُدرج عمدا من البداية. كيف يمكن القيام بذلك وكيف سيبدو ، لا تزال هذه أسئلة غير مستكشفة إلى حد كبير سواء في الممارسة وفي الأكاديمية.

بالاعتماد على العمل الأكاديمي حول هذا الموضوع وأصوات الصحفيين والعاملين في مجال العدالة الانتقالية، حاولنا ديفيد تولبرت وأنا رسم طرق يمكن من خلالها لوسائل الإعلام أن تؤثر على نجاح جهود العدالة الانتقالية ودراسة بعض العوامل التي تشكل نهج الصحفيين للإبلاغ عن هذه العمليات. جئنا بأصوات من النقاش الثري حول دور الصحافة في مجال العدالة الانتقالية لتحليل الطرق المتميزة لتغطية وسائل الإعلام أو تفاعلها مع عمليات العدالة الانتقالية خلال مراحلها المختلفة ودراسة بعض الأمثلة على أشكال مختلفة من التكافل بين وسائل الإعلام وعمليات العدالة الانتقالية . مناقشة التكامل بين الاثنين ملحقٌ بأمثلة على التأثير المدمر لتغطية وسائل الإعلام المسيسة التي قوضت بشكل خطير عمل لجان الحقيقة أو المحاكمات في بعض البلدان، مقلصة أي أثر اجتماعي لهم . وأخيرا، تلفت الورقة الانتباه إلى الفوائد المحتملة في السياقات الانتقالية الناشئة مثل كولومبيا من فهم أهمية هذه العلاقة المعقدة ومعالجة الحاجة إلى المشاركة البناءة لوسائل الإعلام في عملية العدالة الانتقالية من البداية.

في كتابة هذه الموجز، لم نهدف أبدا إلى تقديم إجابات شافية لكثير من الأسئلة التي تثقل هذه العلاقة الغير مستكشفة إلى حد كبير والتي تؤثر بشكل كبير على جهود العدالة الانتقالية. بدلا من ذلك، نحن نأمل أن تحفز مزيدا من النقاش حول الدور الحاسم لوسائل الإعلام، في محاولة لردم الهوة بين الصحفيين والعاملين في مجال العدالة الانتقالية، وللحد من انعدام الثقة إلى أقصى حد ممكن، وفي نهاية المطاف إلى تحويل الحالات الوامضة من التعايش بين وسائل الإعلام والعاملين إلى واقع ثابت.

المصدر: المركز الدولي للعدالة الانتقالية ـ ICTJ

معرض الصور