26/01/2024

العدالة والمصالحة التقليديتان بعد الصراعات العنيفة.. التعلم من التجارب الأفريقية 1-5

مقدمة: المقاربات القائمة على التقاليد في صنع السلام، والعدالة الانتقالية وسياسات المصالحة
لوك هويسه
"يتم العمل بآليات العدالة التقليدية، مثل كولو كوور، وماتو أوبوت، وكايو كوك، وآيلوك وتونو تشي كوكا وغيرها، كما تمارسها المجتمعات المحلية المتأثرة بالصراع، مع إجراء التعديلات الضرورية، كجزء محوري من إطار المساءلة والمصالحة". هذه الفقرة هي نص المادة 1.3 من اتفاق أولي حول المساءلة والمصالحة، وُقّع في أواخر يونيو 2007 من قبل حكومة أوغندا وحركة المتمردين المعروفة باسم جيش الرب للمقاومة. وقد تشكل خطوة رئيسية نحو النجاح في مفاوضات السلام في جوبا، والتي ينبغي أن تضع حداً لحرب أهلية طويلة ووحشية في الجزء الشمالي من أوغندا. تعد الإشارة الصريحة الى أدوات العدالة الانتقالية في سياق صنع السلام والعدالة أمراً مبتكراً. وهذه إحدى أقوى العلامات على اهتمام يتزايد بسرعة بالدور الذي يمكن لهذه الآليات أن تلعبه في المراحل الانتقالية.

قبل حوالي عشر سنوات، بدأ الروانديون، الذين يصارعون التركة الثقيلة للإبادة الجماعية، بالبحث في إمكانية اللجوء الى أداة غير رسمية لتسوية النزاعات، تسمى غاتشاتشا، في سياستهم لتحقيق العدالة الانتقالية. ومنذ ذلك الحين، تم إنشاء الآلاف من هذه المحاكم الشعبية. لقد حددت وحاكمت أعداد كبيرة من الرجال والنساء الذين يشك في أنهم شاركوا في أحداث نيسان/أبريل – حزيران/يونيو في 1994. لقد اجتذبت أنشطة الغاتشاتشا في العدالة والمصالحة اهتماماً عالمياً. وقد كتب الأكاديميون عدداً لا يحصى من المقالات والكتب حول الموضوع. وقدمت المنظمات الدولية غير الحكومية والبلدان المانحة تمويلاً سخياً لهذه الأنشطة. وقد حظيت عمليات إعادة الإدماج الطقسي للمقاتلين السابقين في موزمبيق وسيراليون بترحيب مماثل. لقد شكّل ذلك ولادة حالة من الرواج الكاسح لمثل هذه الأنشطة.

يتناول الجزء الأول من هذا الفصل نشوء التقنيات التقليدية في صنع السلام، وسياسات العدالة الانتقالية والمصالحة. ومن ثم يستعرض الصعوبات التي يطرحها المصطلح والمنهجية في دراسة الأداء الفعلي للأدوات ذات الأساس التقليدي. ويقدم الجزء الثالث تحليلاً مقارناً لمثل تلك الممارسات في البلدان الأفريقية الخمسة التي تشملها دراسات الحالات في هذا الكتاب.

1. الآليات التقليدية في سياق أوسع
منذ نهاية الأربعينيات وحتى أواسط الثمانينات من القرن العشرين، تمثلت الإستراتيجية المهيمنة في التعامل مع أولئك الذين ارتكبوا انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان )بمحاولة( ‹إغلاق الحسابات› وتجاهل مثل تلك التركات المؤلمة.

عندما تنتهي حرب أهلية، أو إبادة جماعية أو دكتاتورية وحشية، يطرح السؤال المحتوم المتمثل في كيفية التعامل مع أولئك الذين ارتكبوا انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. منذ نهاية الأربعينيات وحتى أواسطالثمانينيات، كان الجواب هو تحاشي مثل تلك التركات المؤلمة. اتخذت هذه السياسة أحياناً شكل الصمت المفروض ذاتياً، كما كان الحال في كمبوديا بعد الخمير الحمر. في مناطق أخرى، مثل إسبانيا بعد زوال نظام فرانكو، تم التوصل الى حالة النسيان نتيجة تسوية تفاوضية بين النخب التي خلفته، أو تم ترسيخ الإفلات من العقاب من خلال قوانين عفو رسمية؛ وتعد شيلي خلال حكم بيونشيه في أواخر السبعينيات مثالاً صارخاً على ذلك. وتمثلت الإستراتيجية المهيمنة في )محاولة( ‹إغلاق الحسابات›. هذا الرد مفاجئ فعلاً. في سياق المرحلة التي أتت مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية، كان التركيز على المساءلة. تم وضع أساس قانوني لمحاربة الإفلات من العقاب على شكل اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها عام 8491، وفي اتفاقيات جنيف الأربع لعام 9491. وحاكمت محاكم نورمبيرغ وطوكيو قادة حكومتي ألمانيا واليابان خلال الحرب. غير أن هذه النزعة حيال تحقيق درجة أكبر من المساءلة عن جرائم حقوق الإنسان الجسيمة لم تستمر في العقود التي تلت. كان

الصمت، والنسيان والعفو هي القواعد التي سادت، وكانت محاكمات قادة الطغمة العسكرية في اليونان عام 1974 استثناءً بارزاً على ذلك.

حدث تحول رئيسي، على أساس أخلاقي وسياسي معاً، منذ أواسط ثمانينيات القرن العشرين وما بعد .ازدهر التنامي العالمي لثقافة حقوق الإنسان وتحول الى معركة جديدة، باتت أوسع بكثير الآن، ضد الإفلات من العقاب. تعاونت المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة والمحكمة الأميركية لحقوق الإنسان ،إضافة الى منظمات حقوق إنسان غير حكومية كبيرة لوضع أعراف وممارسات واجب الملاحقة القضائية للجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية وجرائم الحرب. ونجم عن هذا بدوره تأسيس محاكم خاصة في لاهاي ليوغسلافيا السابقة وأروشا لرواندا والمحكمة الجنائية الدولية، وفي الانتشار التدريجي لمبدأ الولاية القضائية العالمية. علاوة على ذلك، فإن اختيار العدالة الجزائية كإستراتيجية بات جزءاً من اتفاقيات السلام التي يتم التوصل إليها بوساطة دولية، كما في غواتيمالا وسيراليون وبوروندي .

لكن في الوقت نفسه، طرحت أسئلة حول إمكانية إجراء الملاحقات القضائية الممنهجة في السياقات التي يكون فيها تغيير النظام عملية بالغة الحساسية و/أو التعقيد. أشار القادة السياسيون وقادة المجتمع المحلي الى الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية العديدة، التي قد تجعل من المستحيل على مجتمعاتهم إنجاز واجب الملاحقة القضائية. أدت الشكوك حول استخدام المحاكمات الى البحث عن آليات بديلة و/أو تكميلية لتحاشي مخاطر المبالغة في تطبيق العدالة الجزائية أو عدم تطبيقها بما يكفي. شكلت لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا، والمبدأ الذي اتبعته في ‹العفو مقابل الحقيقة ،›نقطة تحول. علاوة على ترسخ قناعة بأن وجود أداة واحدة، في معظم الظروف، لن يكون كافياً. كان هناك حاجة لمزيج من التدابير والأدوات، مثل العفو المحدود أو الحصانة المؤقتة، الدراسة أو التحقق أو التطهير، إنشاء لجنة حقيقة ،وعدد من الطقوس (الرمزية). مثل هذا المزيج كان ولا يزال ينبغي أن يكون مبتكراً وإبداعياً، بسبب فرادة كل مجتمع يخرج من صراع عنيف. وهكذا، فإن ما نشهده هو تعديل محلي لنماذج كانت موجودة سابقاً في التعامل مع ماض مؤلم، بهدف أن تؤخذ بعين الاعتبار المخاطر العديدة التي تعتري المجتمعات في المراحل الانتقالية. وتتمثل النتيجة الإجمالية في الانتقال من ثنائية الأمر الواقع (الإفلات من العقاب أو المحاكمات) الى مفاهيم متعددة للعدالة والمصالحة، أي أدوات تستعمل في سياق الدولة أو في غير سياق الدولة، أو تقنيات قانونية، وشبه قضائية وغير قضائية.

منذ أواسط الثمانينيات وما بعد، تحول النمو العالمي لثقافة حقوق الإنسان الى معركة جديدة ،أوسع بكثير، ضد الإفلات من العقاب. لكن في الوقت نفسه، فإن أسئلة طرحت حول قابلية تطبيق الملاحقات القضائية المنهجية في السياقات التي يكون فيها تغيير النظام عملية حساسة و/أو معقدة جداً. إن الضرورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، تجعل من شبه المستحيل على مجتمع ما أن يفي بواجب الملاحقة القضائية.

وكجزء من هذا التطور المهم، حولت بعض مجتمعات ما بعد الصراع اهتمامها الى التراث الذي تمتلكه من ممارسات لدى شعوبها الأصلية في تسوية النزاعات والمصالحة. الحجة هنا، هي أنه يمكن تبنيّ أو تعديل أنظمة العدالة التقليدية وغير الرسمية لتطوير استجابة مناسبة لتاريخ من الحروب الأهلية والقمع. اعترف كوفي أنان، الأمين العام للأمم المتحدة رسمياً بهذا التطور في تقريره الذي وضعه في أغسطس 2004 حول سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات الصراع ومجتمعات ما بعد الصراع: ‹ينبغي إيلاء الاهتمام اللازم للتقاليد الأصلية وغير الرسمية في إقامة العدل أو تسوية النزاعات، لمساعدتها على الاستمرار في دورها الذي يكون حيوياً في كثير من الأحيان، وأن تؤدي ذلك الدور بما ينسجم مع المعايير الدولية والتقاليد المحلية على حد سواء ينبغي وضع هذا التقرير في هذا السياق المجتمعي والسياسي والأكاديمي.

المصدر: المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية

معرض الصور