01/06/2024

خطاب الكراهية: هل هو قميص عامر حرب ابريل؟

عبد الله ديدان

مضي آكثر من اثني عشر شهرا منذ اندلاع حرب الموت والتشرد والاغتصاب وفقدان الممتلكات وضياع الانسانية. ولا زالت نيرانها مشتعلة، تزداد تمددا واشتعلا، ربما لا ينجو منها احد. فهي تحرق الوطن كل يوم وتقضي علي آمال العودة إلى ما قبلها من حقبة كانت بائسة، لكنها ممكنة الإصلاح بلا سلاح وطائرات وقذائف مدافع.
خلفت، ولازالت تفعل، هذه الحرب اللئيمة الكثير من التحديات على مستوي انسانيتنا حتى بتنا حديث العالم، الذي لم يشهد نزوحا ولجوءا لما يفوق الخمسة عشر مليونا من البشر طوال تاريخه الحديث، فضلا عن عشرات الالوف من الموتي والمصابين. وأشد مضاضة من كل ذلك انكسار الإنسان السوداني وذهاب قيمته التي تجعل منه كائنا له وطن وتراب يحبه ويقدر على العيش فيه، وهو مشحون بكل الأزمات ومسيرة الفشل الطويل التي لازمت حلمه ببناء دولة التنوع ومجد الاستقرار والتطور، لينعم بالرفاه واستثمار موارده اللا متعددة فى توفير أسباب الراحة ولخير البشرية.

أنتجت هذه الحرب واقعا اجتماعيا وثقافيا جديدا وبسرعة شديدة. ففي عام واحد فقط، استطاعت أن تفجر براكينا من التداعي المكبوت، بكل محمولات التاريخ وفشل النخب السياسية والثقافية والاكاديمية، منذ خروج المستعمر و أيلولة الشأن الوطني لبني الوطن وعدم قدرتهم على بناء أمة سودانية ومشروع وطني سوداني مؤسس على ادارة التنوع العرقي، الثقافي، الاجتماعي والاقتصادي الحاد، الذين يتشكل منه مجموع الشعب السوداني بلا روابط حقيقية وصلبة. وتبني من هذا التنوع روابط متينة لوحدة الشعور بالانتماء الوطني والمصير المشترك، فبتنا شعبا سودانيا يحمل ذات الجنسية ولكنه ينتمي إلى فضاءات أخرى، ليس من بينها، اننا نري انفسنا جميعا سودانيين. حتى وإن أدرنا خلافاتنا بالسلاح، نظل ننظر إلى أنفسنا كسودنيين نتقاتل بالسلاح. ومرد ذلك يعود إلى سوء تربيتنا السياسية والثقافية والاجتماعية والوطنية وغياب الرؤية للبناء الوطني وعدم الاعتراف بالتنوع الذي هو أس تكويننا كشعب لهذا البلد.

برز مع هذه الحرب، خطاب سياسي، ثقافي، اجتماعي وحربي عدائي و اذدرائي، مشحون برفض الآخر. حتى أن تاثيره، وصل إلى مرحلة القتل على أساس العرق واللون والشكل بين كل الأطراف المتقاتلة والإخفاء القسري والطرد من مكان إلى مكان آخر.

إنه خطاب الكراهية الذي يمكن تعريفه مفاهيميا بأنه، أي نوع من التواصل الشفهي أو الكتابي أو السلوكي، الذي يهاجم أو يستخدم لغة اذدرائية أو تمييزية بالإشارة إلى شخص أو مجموعة على أساس الهوية. وبعبارة أخرى على أساس الدين أو الانتماء الاثني أو الجنسية أو العرق أو اللون أو الأصل أو نوع الجنس أو احد العوامل الاخري المحددة للهوية.

وهو خطاب دائما ما يستمد جذوره من مشاعر التعصب والكراهية التي يغذيها فى الوقت نفسه، ويمكن أن يؤدي إلى الإذلال ويقود إلى الانقسامات.

وهنا تكمن خطورة خطاب الكراهية لأنه يمكن أن يصل إلى مرحلة الدعوة والعمل على سحق الآخر ورفض وجوده مطلقا. وهذا ما يحدث عندنا حاليا كواحد من تداعيات هذه الحرب اللعينة. فخطاب الكراهية ظل موجودا فى مجتمعنا قبل هذه الحرب ويتجلي بكيفيات واوجه مختلفة، سواء كان على المستوي النخبوي واوساط المتعلمين والمشتغلين بالقضايا العامية والمثقفين، أو على المستوي الشعبي البسيط، بسبب تداعيات التاريخ وضعف ادراكنا للتنوع ورفض البعض من للاخر، نسبة للشعور بالافضلية العرقية العرقية التفوق الثقافي المبني علي الاساس العرقي أو الدين. إلا أنه وفى ظل حرب أبريل اللعينة هذه، طفت على سطح تداعيات الحرب أقوال وأفعال وممارسات قائمة على خطاب كراهية مفرط، ومما يؤسف له أن ثلة من المتعلمين والمثقفين والإعلاميين والسياسيين ورجال الدولة وبعض قادة الحرب من الطرفين، أصبحوا يمارسون خطاب مشحون بالكراهية على أساس العرق والجهة واللغة والثقافة والملامح والتاريخ، الشيء الذي أدى إلى حالة انقسام على هذه الأسس بين السودانيين، وساهم فى تأجيج الصراع وصب المزيد من الزيت على نار الحرب المشتعلة، مما قد يؤدي إلى تحولها إلى حرب أهلية واسعة النطاق وشديدة الفتك ترتكب فيها كل أنواع الجرائم أكثر مما يحدث الآن و لربما تؤدي الى تقسيم الوطن بلا رجعة.

هنالك قوي مجتمعية وثقافية وسياسية ودينية تتبني هذا الخطاب شديد الخطورة، لأن الحرب أولها كلام وأخطر أنواع الكلام أو خطاب الكراهية، الذي امتلأت به وسائط الإعلام الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي والخطابات العامة الموجهة للجمهور بغرض الاستقطاب أو الرفض على أساس العرق والجهة، حتي بات بعض كبار القادة من طرفي الحرب ، يجردون بعضهم البعض من صفة المواطنة سواء بالكلام أو الممارسة، كما أن طرفي الحرب باتا يستجيبان لدعاة خطاب الكراهية حتى بات واقع الحرب الآن، ترتكب فيه المجازر والإبادة العرقية فى معظم الأقاليم التي تشتعل فيها الحرب، وبصورة أشد حدة في إقليم دافور وولاية الجزيرة. انتشرت هذه الممارسات بمستويات مختلفة في كل السودان حاليا.

مسؤوولية قادة الرأي العام ومنظمات المجتمع المدني وكيانات المثقفين والإعلام والقوي السياسية، باتت كبيرة ومطلوبة بصورة عاجلة للتصدي لخطاب الكراهية الحاد والمسيطر على فضاء الحرب الآن، وذلك بمقابلته بخطاب مضاد مبني على أسس أن الحرب هي فى أصلها سياسية وصراع مصالح بين قوتين مسلحتين معاديتين لحق الشعب السوداني فى الاستقرار والديمقراطية والحكم المدني وسيادة حكم القانون ومحاربة الفساد. كما لابد من فضح الذين يتبنون خطاب الكراهية لتغذية الحرب ورفض الآخر والدعوة إلى اجتثاثه على أساس أنه آخر مختلف. لأن هذا الخطاب يخرج الحرب من السياق الذي يمكن احتوائه إلى سياق آخر يقود إلى الحرب الشاملة والفوضوية حتى أن طرفيها الحاليين لن يكونا موجودين حينها، لانهما سيذوبان فى حرب الكراهية الشاملة وهي حرب الكل ضد الكل.

هنالك ضرورة ملحة فى ظل هذا الواقع المعقد لانتاج خطاب واسع موجه للشعب السوداني بعدم الانسياق وراء دعاة الكراهية بكل أوجهها وخطابها المشحون بروح تأجيج الحرب وتوسيع دائرتها على أسس عرقية وثقافية واستدعاءات تاريخية مضرة، على أن يتم تبني هذا الخطاب بواسطة حملة دولية واعلامية واسعة عبر مختلف المنصات بالتعاون بين منظمات المجتمع المدني الاقليمية والدولية والمحلية والفاعلين الاجتماعيين والمثقفين فى قواعد المجتمع السوداني.

معرض الصور