تم التحديث: ١١ يناير ٢٠٢٦ 15:14:18

الصورة: غلاف التقرير
تقرير للشبكة الشبابية: ``الخطاب القبلي`` كسلاح في حرب السودان
أمير بابكر عبد الله
المصدر: ألترا صوت
أصدرت "الشبكة الشبابية للمراقبة المدنية"، مؤخرًا، تقريرًا مهمًا ألقى ضوءًا ساطعًا على الحضور القوي للقبيلة في السودان على منصات التواصل الاجتماعي خلال فترة الحرب المستمرة.
يقدّم التقرير، الذي جاء تحت عنوان "القبيلة والسياسة في حرب السودان"، قراءة معمّقة لدور الفضاء الرقمي في إعادة إنتاج الهويات القبلية وتسييسها خلال حرب 15 أبريل 2023، كاشفًا عن تحوّل القبيلة من إطار اجتماعي تقليدي إلى فاعل سياسي رقمي مؤثّر. لا يتعامل التقرير مع الخطاب القبلي بوصفه ظاهرة لغوية معزولة، بل يضعه في قلب ديناميات الحرب، كأداة تعبئة واستقطاب وإعادة تشكيل للوعي الجمعي، الأمر الذي يمنحه أهمية تحليلية تتجاوز الرصد الوصفي إلى مساءلة البنى العميقة للصراع.
السياق العام
تنبع أهمية التقرير من كونه يشتبك مع واحدة من أكثر القضايا حساسية في السياق السوداني: العلاقة المركّبة بين القبيلة والسياسة في زمن الحرب. فبينما درجت كثير من التحليلات على تناول الصراع من زوايا عسكرية أو جيوسياسية، يذهب هذا التقرير إلى تفكيك البعد الرمزي والخطابي للصراع، مركزًا على وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها ساحة مركزية لإنتاج المعنى. بذلك، يسد التقرير فجوة واضحة في الدراسات السودانية المعاصرة، التي غالبًا ما تقلّل من شأن الفضاء الرقمي أو تتعامل معه كمنصة انعكاس، لا كفاعل مستقل.
يعتمد التقرير على منهجية تجمع بين التحليل الكمي والكيفي لمحتوى 120 صفحة وحسابًا مؤثرًا على منصات "فيسبوك"، "إكس" و"تيك توك"، خلال شهر أكتوبر 2025. وتُعد هذه المنهجية من نقاط القوة الأساسية، إذ تتيح رصد الاتجاهات العامة من جهة وفهم الدلالات والسياقات العميقة للخطاب من جهة أخرى. كما أن استخدام أداة رقمية متخصصة(Junkipedia) يعزز من موثوقية البيانات ويقلّل من الانطباعية التي كثيرًا ما تشوب دراسات الخطاب الرقمي.
الأهم في المنهجية ليس أدواتها فحسب، بل التزامها باعتبارات أخلاقية وقانونية واضحة، خاصة في التعامل مع محتوى يتضمن خطاب كراهية وتحريضًا على العنف. هذا الوعي المنهجي يضفي على التقرير قدرًا من الجدية والمسؤولية، ويجعله مرجعًا يمكن البناء عليه في أبحاث لاحقة.

القبيلة فاعل سياسي رقمي
تكشف نتائج التقرير أن 83.3% من المنشورات القبلية التي جرى تحليلها جاءت في سياق سياسي مباشر، وأن 78% من هذا الحضور السياسي ارتبط بالحرب. هذه الأرقام لا تعكس مجرد تسييس عرضي للقبيلة، بل تشير إلى تحوّل بنيوي في دورها داخل الفضاء الرقمي. فالقبيلة، وفق ما يبيّنه التقرير، لم تعد تُستدعى فقط بوصفها هوية اجتماعية، بل بوصفها كتلة سياسية تُنسب إليها مواقف وتُحمّل مسؤوليات جماعية وتُستخدم كأداة للشرعنة أو التخوين.
هذا التحول يعكس، في جوهره، أزمة الدولة الوطنية في السودان. فمع تراجع الثقة في المؤسسات الرسمية وانهيار منظومات الحماية والخدمات، تعود القبيلة لتملأ الفراغ، ليس فقط على الأرض، بل أيضًا في الفضاء الرقمي، حيث تُعاد صياغة دورها بلغة جديدة وأدوات حديثة.
خطاب الكراهية وتوصيف الحرب
من أكثر خلاصات التقرير أهمية إشارته إلى أن 82% من المحتوى القبلي احتوى على نمط واحد أو أكثر من خطاب الكراهية أو العنصرية. لكن القيمة التحليلية هنا لا تكمن في الرقم وحده، بل في تفكيك طبيعة هذا الخطاب. فالتقرير يبيّن أن خطاب الكراهية لا يُستخدم بوصفه تعبيرًا فرديًا عابرًا، بل يُعاد إنتاجه ضمن سرديات جماعية تؤطر الحرب باعتبارها صراعًا بين مجموعات سكانية، لا بين أطراف سياسية أو عسكرية.
وتبرز هنا أنماط خطيرة، مثل نزع الإنسانية والتحريض على العنف والتقسيم القبلي، وهي أنماط لا تكتفي بتشويه الآخر، بل تمهّد نفسيًا وأخلاقيًا لتبرير العنف ضده. وبهذا المعنى، يصبح الخطاب الرقمي جزءًا من آلة الحرب، لا مجرد صدى لها.
تضخيم الاستقطاب
يلفت التقرير الانتباه إلى دور الخوارزميات الرقمية في تضخيم المحتوى الأكثر شحنًا واستقطابًا، ما يؤدي إلى إعادة إنتاج ثنائيات "نحن/هم" على نطاق واسع. هذه الملاحظة بالغة الأهمية، لأنها تنقل النقاش من مستوى المسؤولية الفردية للمستخدمين إلى مستوى البنية التقنية للمنصات نفسها. فالفضاء الرقمي، كما يقدّمه التقرير، ليس محايدًا، بل ينحاز – بحكم تصميمه – إلى المحتوى الذي يثير التفاعل، حتى وإن كان محتوى كراهية أو تحريض.
الدلالات والأفق
يحذّر التقرير من أن استمرار هذا النمط من الخطاب يشكّل تهديدًا مباشرًا لأي مشروع لبناء سلام مستدام أو انتقال سياسي ديمقراطي. فحين تتقدّم القبيلة بوصفها مصدر الشرعية والحماية، ويتراجع منطق المواطنة والمؤسسات، يصبح من الصعب تخيّل دولة ما بعد الحرب. كما أن تعمّق الكراهية الرقمية يترك آثارًا طويلة المدى على النسيج الاجتماعي، تتجاوز زمن الحرب نفسها.
يمكن القول إن تقرير "القبيلة والسياسة في حرب السودان" لا يكتفي بتشخيص الظاهرة، بل يقدّم إطارًا تحليليًا لفهمها، ويطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الخطاب العام في السودان. قوته الأساسية تكمن في ربطه بين الرقمي والسياسي، وبين الخطاب والعنف، وبين الهوية والحرب. وهو، بهذا المعنى، ليس مجرد تقرير رصدي، بل وثيقة فكرية تستحق النقاش والتفاعل، وتشكل أساسًا ضروريًا لأي جهد يسعى إلى تفكيك جذور الصراع وبناء خطاب بديل يقوم على المواطنة والعدالة والسلام.


