تم النشر بتاريخ: ٣٠ يناير ٢٠٢٦ 14:00:02
تم التحديث: ٣٠ يناير ٢٠٢٦ 14:02:29

أفعال صغيرة تنهي الحرب وتحرس السلام

د.ناهد محمد الحسن
وأنا اقرأ ما يكتبه الناس ويعبرون عنه، مداخلاتهم معي في الأسئلة البحثية الاستطلاعية، لاحظت شيئا.. أحد العقد التي تطيل الحرب هي نحن أنفسنا، بوعي وبلا وعي في أحيان كثيرة.

الناس يريدون السلام..ويحلمون بدولة عادلة، ويخافون حتى إن حدث السلام أن لا تتحقق العدالة ولا يشفى جرح الحرب.

الحقيقة أن الناس يمكنهم الانخراط بفاعلية دون خطب أو شعارات، ودون الحاجة لحزب أو الانضمام لكتلة، ودون حتى أن يعرضوا حياتهم للخطر، في مقاومة عبر أفعال صغيرة يومية تقصر أمد الحرب وتحرس السلام.

في كل حرب طويلة، تأتي لحظة يبدأ فيها الناس بالتكيّف مع الحرب، لا مقاومتها. يحدث هذا لأن النفس البشرية – حين تُستنزف – تبحث عن أي شكل من أشكال الاتساق، حتى لو كان اتساقًا مع العنف. هنا، دون قصد، يبدأ المجتمع في إطالة عمر الحرب، بينما يظن أنه فقط "يتعايش".

أولًا: لماذا يعتاد الناس الحرب؟
في علم النفس، هناك مفهوم اسمه التكيّف مع الصدمة. عندما تطول الصدمة، لا تبقى صدمة.. تتحول إلى "وضع طبيعي جديد".

العقل البشري لا يحتمل التوتر الدائم، فيبدأ بـالتطبيع مع العنف، تبرير ما لا يُبرَّر، البحث عن معنى سريع: نحن على حق – الآخر شرير – لا خيار لنا!. أي تبرير يسكت القلق ويجلب اليقين. هذا لا يعني أن الناس فقدوا أخلاقهم، هم ذات الناس الطيبون ولكن ذواتهم تحاول أن تحمي نفسها من الانهيار. لكن للأسف هذه الآلية الدفاعية لها ثمن سياسي. فكلما اعتدنا الحرب، صعُب تخيّل السلام.

في رواندا، قبل الإبادة، لم يبدأ القتل فجأة. بدأ بخطاب، ثم نكات، ثم صمت، ثم مشاركة يومية "بسيطة". فالناس هنالك لم يولدوا قتلة، ولكنهم دُرِّبوا نفسيًا على القسوة.

ثانيًا: كيف تعيش الحروب اجتماعيًا؟
الحرب لا تعيش في الجبهات فقط، والثكنات العسكرية؛ الحرب تعيش في اللغة اليومية، النكات، الأغاني، الافتخار الجمعي التحريضي، في تحديد من يُستثنى ومن يُشيطَن.

علم الاجتماع يسمّي هذا عسكرة الحياة اليومية. حين يصبح العنف، البذاءة، التنمر هي معايير الرجولة، وليس التسامح وضبط النفس وحماية الضعيف. هذا التشويه المتعمد للهوية والمعاني والقيم ما يطيل أمد الحرب لأنه لا يفعل فقط العنف ولكنه يسكت المقاومة أيضا بتسمية الاختلاف خيانة، والحياد تهمة. لذلك حرصك على ما تراه موقف أخلاقي سليم هو فعل مقاومة.

في يوغوسلافيا السابقة، لم يكن الجيران يكرهون بعضهم فجأة. الذي تغيّر هو الإطار الاجتماعي للمعنى. حين انقسم المجتمع إلى "نحن" مقابل "هم"، وأصبح الحرص على "البقاء" بديلا عن "الرحمة"، وإعلاء قيم العنف و"القوة" والتنازل عن عدالة "القانون" وتأجيله. لذلك حتى عندما انهارت الدولة، بقي المجتمع مُعبّأ..واستمرت الحرب بأشكال أخرى.

ثالثًا: ماذا تعلّمنا أدبيات المقاومة المدنية؟
(الدرس الأهم)
المقاومة المدنية لا تعني السلمية الساذجة، ولا انتظار الملائكة. هي علم قائم بذاته، يدرس كيف تسقط أنظمة عنف دون استبدالها بعنف آخر. القاعدة الذهبية فيها: العنف يحتاج تعاونًا أكثر مما نتصور.

وأقصد هنا أن العنف لا يحتاج أن نتعاون معه في حمل السلاح فقط ولكن يريدنا أن نعمل في مؤسساته، نبرر خطابه، نعيد انتاج رموزه، والصمت أمام جرائمه. ومتى ما امتنعنا عن ذلك فنحن نقاوم.

في جنوب أفريقيا، لم يسقط نظام الفصل العنصري فقط بالمفاوضات. أسقطه السحب اليومي لشرعيته في الداخل والخارج عبر المقاطعة، العصيان الرمزي، حماية المساحات المدنية، وتفكيك خطاب التفوق.

نيلسون مانديلا لم يخرج إلى سلام جاهز، ولكن في سجنه كان مجتمع جنوب افريقيا تعلّم – جزئيًا – كيف لا يطالب بالانتقام كحلٍّ وحيد.

رابعًا: الأفعال الصغيرة… لماذا هي خطيرة؟
في تشيلي، بعد سقوط بينوشيه، اكتشف الناس حقيقة مؤلمة. صحيح أن الديكتاتور سقط، لكن الثقافة التي سمحت له بالبقاء لم تسقط كاملة. لهذا عادت أنماط القمع لاحقًا بأشكال "قانونية".

الأفعال الصغيرة – أو الامتناعات الصغيرة – هي ما يصنع المستقبل. علينا أن نسأل انفسنا هل نسمّي الجريمة جريمة؟ هل نُدين "الطرف القريب" كما نُدين البعيد؟ هل نسمح للغة أن تنزلق إلى العنف ؟ هل نُكافئ من يحرّض بالشهرة والتمجيد؟

هذه ليست تفاصيل صغيرة أو جانبية، هذه هي بنية السلام أو بذرة الحرب القادمة! ادراككم لها والتزامكم جانب ما يصنع السلام هو فعل مقاومة.

خامسًا: ماذا نفعل الآن في للسودان؟
من خلال الاستماع للناس، ظهرت حقيقة واضحة: كثيرون لا يريدون الحرب، لكنهم يُعيدون نشر خطابها، يُبررون عنف "جماعتهم"، ويخشون الخروج عن المزاج العام في انتظار "المنقذ الكبير". وهنا، دون قصد، يتحوّل المجتمع من ضحية إلى بيئة حاضنة لاستمرار الصراع.

سادسًا: كيف نقاوم الآن دون شعارات؟
قاوموا اللغة فكما يقول سميح القاسم ، اللغة سمسم الكاذبين الوفير. اللغة ليست محايدة. كل كلمة تُقصي إنسانًا اليوم، تُسهّل قتله غداً.

ارفضوا وتجنبوا الاصطفاف الأخلاقي، بمعنى أن تكون ضد الجريمة، أيًّا كان فاعلها. هذا ليس حيادًا، هذا بناء لعدالة مستقبلية.

علينا أن نحمي ونحافظ على المساحات غير المسلحة. كالمدارس، المبادرات، الأحياء، و لجان الإغاثة. هذه ليست أنشطة جانبية، ولكنها بذور الدولة المدنية.

أكسروا وهم الإجماع. قولوا لا ولو همساً وإن في دائرة صغيرة. هذه الهمسة على رقتها تضعف وهم أن "الجميع مع الحرب".

احفظوا الذاكرة. فالحروب التي تُنسى، تُعاد. والحروب لا تخشى شيئا بقدر ما تخشى من التوثيق. فالتوثيق ليس ماضيًا، وإنما الدرع الذي يحمي في الحاضر والمستقبل. فالذي يعرف أنه سيحاسب سيتردد. ما يجعل العنف منفلت ووحشي هو الاعتقاد بأن لا أحد سيعرف.

سابعًا: كيف نحرس التغيير قبل أن يأتي؟
التغيير لا يُحرس بالزعماء فقط، ومما رصدته من كلامكم ومخاوفكم هنالك أزمة ثقة عميقة في القيادات. ولكن أين دورنا نحن؟ إذا كنت لا تثق انخرط في المقاومة والحراسة. توقف عن التطبيع مع العنف. استخدم لغة تحترم الإنسان. حافظ على ذاكرة تطالب بالعدالة. واحرص على فكرة أن السلام ليس حدثا عابرا ولكن ممارسة يومية.

كثير من الثورات فشلت، ليس لأنها لم تُسقط الأنظمة، أو لم يضحي أهلها بما يكفي، لكن لأنها لم تستطع أن تغيّر الإنسان الذي يسمح بعودة الحرب.

خاتمة
الحرب لا تنتهي عندما يتوقف إطلاق النار، ولكن تنتهي عندما يتوقف المجتمع عن تبريرها، تمجيدها، والخوف من نقدها.

المقاومة اليوم ليست بطولة، ولا فعل استشهادي..هي يقظة أخلاقية يومية وافعال صغيرة.

معرض الصور