تم التحديث: ٥ فبراير ٢٠٢٦ 17:02:08

حول مؤتمر مساعدات السودان.. مناطق آمنة أم نسخة من عملية شريان الحياة؟
د. صلاح الأمين
خبير المنظمات العاملة في مجال المساعدات الإنسانية
الأزمة الإنسانية في السودان كأزمة إنسانية طارئة مركبة تتطلب ان تدار من مركز واحد وبفاعلين متعددين، وأن تكون مركز العملية هي المجتمعات المحلية والفاعلين على الارض. بهذا يمكن القول أن مؤتمر المساعدات الإنسانية الذي انعقد مؤخراً في واشنطن وبمبادرة من الولايات المتحدة الأمريكية، هو توسيع قاعدة الرباعية لتشمل دولاً أخرى مما يعني التركيز على التمويل.
ومع تصريح مسعد بولس بأن أطراف القتال وافقت مبدئيا على مقترح الهدنة الإنسانية والحديث عن مناطق آمنة، في رأي أن الغائب الأعظم والمهم هي القوى المدنية السودانية وكذلك المجتمعات السودانية التي هي على الأرض ومن أجلها ستنفذ الهدنة الإنسانية.
لذلك أعيد نشر هذا البوست الذي نشرته قبل كم سنة، بمناسبة ما تواتر من حديث انسحابات من بعض المدن لتوفير مناطق آمنة لتوصيل المساعدات الانسانية.
تعرف المناطق الآمنة على أنها مناطق تتفق على تحديدها أطراف النزاع، أو تجبر عليها بواسطة المجتمع الدولي. وتهدف إلى الحفاظ على سلامة المدنيين الذين لا علاقة لهم بالنزاع المسلح، لحمايتهم وتجنيبهم الأعمال العدائية. وتؤطرها شروط يجب توفرها، ويعد انتهاكها انتهاكا للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.
تاريخيا فأن مصطلح المناطق الآمنة هو مصطلح غير رسمي في القانون الدول ، إذ لا تنص عليه صراحة وبنفس المسمى الاتفاقات الدولية بل ذكرت مصطلح قريب منه مثلا :المناطق الطبية أو مناطق الاستشفاء واعادة التأهيل أو المناطق المحايدة منزوعة السلاح.

ظهرت فكرة المناطق الآمنة عام 1870 أثناء الحرب الفرنسية البروسية، على يد مؤسس الصليب الأحمر الدولي السويسري هنري دونان، الذي حيّد مدنا وخصصها لرعاية الجرحى من المحاربين. فكان ذلك أول شكل من أشكال مناطق الاستشفاء والأمان، لكنها لم تؤخذ على محمل الجد بسبب التطورات العسكرية.
منظمة هيومن رايتس ووتش عرفت المناطق الآمنة بأنها مناطق محددة تتفق أطراف النزاع المسلح على عدم نشر قوات عسكرية فيها أو تنفيذ هجمات عليها، وتنشأ بموجب قرار مجلس الأمن الدولي.
وفي القانون الدولي الإنساني، هناك 3 صور لتلك المناطق :مناطق مجردة من وسائل الدفاع، مناطق منزوعة السلاح، مناطق استشفاء.
تم تطبيق مفهوم المناطق الآمنة بعدة أشكال مختلفة على مر التاريخ، فقد سميت مثلا الممرات الهادئة، و"الممرات الإنسانية" و"المناطق المحمية" و"الملاذات الآمنة"، و"المناطق المحايدة" و"المناطق الآمنة"، وبإعلان من مجلس الأمن الدولي مع جهات دولية.
تجربة الملاذات أو المناطق الآمنة طبقت تاريخيا في رواندا 1994 وفي البوسنة والهرسك 1995 وفي غزة، لكن لم يمنع ذلك من تعرض تلك المناطق للهجمات.
في الحالة السودانية، ولتعقيدات المشهد وتعنت أطراف القتال واعتماداً على تجارب سابقة، أرى أن الأنسب هو عملية إنسانية أشبه بعملية شريان الحياة والتي اديرت خلال الحرب الاهلية بالسودان (1983-2005). وهي العملية التي استمرت لمدة 15 عاماً، وشاركت فيها أكثر من 31 منظمة دولية تحت قيادة منظمة اليونسيف كمفوضة من الامم المتحدة.
استطاعت تلك العملية، ووسط أصوات السلاح، أن تقدم الغذاء، الماء، التعليم، الصحة وقبلهم الحماية لملايين السودانيين في مناطق الحرب. وساهم وصول عمال الاغاثة وتواجدهم الدائم في مناطق الحرب في رصد الانتهاكات وتوثيقها.
لا اقترح أن تكون عملية شريان الحياة الثانية copy and paste من عملية شريان الحياة الأولي، فهذا شئ لا يمكن حدوثه نتيجة للمتغيرات والفروقات بين حرب 83 وحرب 2023.
ففي الحرب الأولي كان هناك طرفين بقيادتين مركزيتين، هناك الجيش الشعبي بقيادة واحدة وهناك حكومة المركز بقيادة واحدة (لاحقا وبعد انقسام مجموعة الناصر تم تضمين مناطق سيطرتها ضمن الاتفاق ). وفي حرب 2023 هناك وداخل القيادة، قيادات اخري وعناصر متحالفة مع هذا وتلك، وهناك مناطق كاملة تحت سيطرة مجموعات ليست مع احد الطرفين. فهناك مناطق يسيطر عليها جيش تحرير السودان/ عبدالواحد نور ومناطق أخرى تسيطر عليها الحركة الشعبية -شمال / عبدالعزيز الحلو.
إذاً شريان الحياة الثانية ستكون أكثر تعقيدات، لكن ليس مستحيل تحقيقها بضغط من المجتمع الدولي وضغط أكثر أهمية من السودانيين والسودانيات في الداخل والخارج، وهم الذين سيقودون العملية والتي من المفترض أن تبني العملية الإنسانية على ما ابتدروه من مبادرات منتشرة وسط الموت والرصاص والبارود والطاعون (تكايا، مطابخ مجتمعية، غرف طوارئ، إرسال أموال من خلال تطبيق بنكك).
عملية الشريان الحياة الأولى، ورغم انها كانت أكبر عملية توصيل مساعدات إنسانية للمدنيين في الحرب في تاريخ المساعدات الإنسانية، ورغم أنها حملت بعض اسباب النجاح والقوة (التنسيق الجيد والملاذات الآمنة)، إلا أنها لم تخلُ من عيوب وهنات كثيرة، لكن دراستها جيدا ستساعد في تصميم عملية شريان حياة ثانية تعيد الحياة للمدنيين الذين هم الآن على حافة الموت.


