تم النشر بتاريخ: ١٠ فبراير ٢٠٢٦ 11:07:08
تم التحديث: ١٠ فبراير ٢٠٢٦ 11:10:24

عودة السودان إلى إيغاد .. هل انتفت أسباب تجميد عضويته؟

أمير بابكر عبد الله
في بيان صحفي دافيء، رحبت الهيئة الحكومية للتنمية "إيغاد" بقرار السودان استئناف مشاركته الكاملة في المنظمة، في الوقت الذي فشلت مساعيه، حتى الآن، في

ووصف الأمين التنفيذي لإيغاد، وركنه جبيهو، عودة السودان إلى الهيئة بأنها تأكيد على التضامن الإقليمي والالتزام الجماعي بالسلام والاستقرار والتعاون في جميع أنحاء المنطقة. وأشار إلى أن انخراط السودان المتجدد، بوصفه دولة عضواً مؤسساً، يعزز وحدة الهيئة ويرفع من قدرتها على معالجة الأولويات الإقليمية المشتركة.

جاء بيان الإيغاد عقب إعلان السودان عن عودته إلى الهيئة، بعد عامين من تجميده عضويته في المنظمة الإقليمية. وقالت الخارجية السودانية، في بيان، إن "حكومة جمهورية السودان ستستأنف نشاطها الكامل في عضوية المنظمة".

وأوضح السودان أن قرار استئناف نشاطه في إيغاد يأتي "اتساقا مع البيان الإيجابي لسكرتارية الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، الذي أعربت فيه المنظمة عن التزام الأمانة التنفيذية للهيئة بالأطر المؤسسة للعمل الإقليمي المشترك". وهو البيان الصادر في 29 يناير الماضي والذي أدانت فيه إيغاد الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في الحرب التي شارفت على إكمال عامها الثالث.

وبحسب بيان الخارجية السودانية، أعربت المنظمة عن التزامها بـ"عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، وفي مقدمتها اعترافها الكامل بسيادة السودان، ووحدة أراضيه وشعبه، وسلامة مؤسساته الوطنية القائمة".

إيغاد وأهدافها
الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية" إيغاد" هي منظمة أفريقية إقليمية تأسست في العام 1986 لمكافحة الجفاف والتصحر الذي ضرب المنطقة، ومقرها جيبوتي. وتضم 8 دول في شرق إفريقيا هي إثيوبيا، كينيا، أوغندا، الصومال، جيبوتي، إريتريا، السودان، وجنوب السودان.

أعيد هيكلة الهيئة في العام 1996، وتوسع نطاق أهدافها لتشمل تعزيز التعاون الاقتصادي، الأمن الغذائي، الاستقرار، والوساطة في النزاعات الإقليمية.

وفي هذا الإطار، لعبت "إيغاد" دوراً مهماً لانهاء الحرب في السودان التي اندلعت عام 1983 التي توجت باتفاق سلام نيفاشا بكينيا في 2005، وانخرطت بفعالية منذ اندلاع الحرب الأخيرة لإيجاد أرضية لحل الأزمة السودانية.

قصة تجميد السودان عضويته
في الأسابيع الأولى للحرب، تحركت إيغاد بسرعة نسبيًا مقارنة ببعض الأطر الإقليمية الأخرى، فدعت إلى وقف فوري لإطلاق النار، حماية المدنيين، وفتح ممرات إنسانية.

كما أدرجت الأزمة السودانية ضمن أولويات اجتماعاتها، في محاولة لمنع تمدد الصراع إقليميًا، خاصة في ظل تدفقات اللاجئين إلى دول الجوار مثل جنوب السودان وإثيوبيا وتشاد.

أبرز تدخل لإيغاد تمثّل في تشكيل اللجنة الرباعية (كينيا، إثيوبيا، جنوب السودان، جيبوتي) لتولي ملف الوساطة. وقد قوبلت هذه الخطوة بترحيب دولي، لكنها أثارت منذ البداية تحفظات سودانية، خاصة بسبب، رئاسة كينيا للجنة، في ظل اتهامات الخرطوم لنيروبي بالانحياز.

بلغ التوتر ذروته عندما وجهت إيغاد دعوة لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) للمشاركة في قمة إقليمية، وهو ما اعتبرته الخرطوم شرعنة سياسية لمليشيا مسلحة ومساواة بينها وبين جيش الدولة.

مع صدور بيان قمة عنتيبي في يناير 2024، الذي تضمن إشارات رأت فيها الخرطوم مساسًا بالسيادة ووحدة الدولة، انتقلت العلاقة بين السودان وإيغاد من التوتر إلى القطيعة، وأعلن السودان رسميًا تجميد عضويته في المنظمة.

موقف دول الإيغاد من حرب السودان
في هذا الشهر، وبعد عامين من تجميد عضويته، عاد السودان ليستأنف نشاطه في المنظمة الأفريقية الإقليمية، إثر البيان الأخير للهيئة والذي لم يخرج من الإطار العام لمبادئ "إيغاد"، ودون أن يتغير موقف الدول الأعضاء في الهيئة من الحرب في السودان. إذ لم يكن دور إيغاد في حرب السودان مستقلًا عن دولها الأعضاء، بل كان نتاجًا مباشرًا لتناقض مصالحهم. فبدل أن تكون المنظمة صانعة موقف، تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع دبلوماسي صامت بين رؤى مختلفة حول الحرب، الشرعية، والتدخل الخارجي. فقرارات إيغاد، ومبادراتها، وحتى أزماتها مع الخرطوم، لا يمكن فهمها بمعزل عن أدوار الدول المكوِّنة لها، واختلاف مقارباتها تجاه الحرب، والجيش، وقوات الدعم السريع.

إيغاد ليست منظمة فوق الدول، بل إطار تنسيقي هشّ، تتشكل مواقفه وفق توازنات داخلية بين الدول الأعضاء، والمصالح الأمنية والحدودية مباشرة، وحسابات سياسية تتجاوز السودان إلى الإقليم ككل.

لذلك، لم تصدر عن إيغاد رؤية موحّدة تجاه الحرب، بل توليفة غير متجانسة انعكست في قرارات مترددة، وبيانات متناقضة أحيانًا.

الدول المؤثرة داخل إيغاد
على رأس قائمة دول الإيغاد كانت كينيا وسيطاً مثيراً للجدل، وأحد أسباب الأزمة بين السودان وإيغاد. لعبت كينيا الدور الأبرز عبر رئاستها للجنة الرباعية المعنية بالسودان واستضافتها لاجتماعات ولقاءات سياسية لقوات الدعم السريع وأنصاره من القوى السياسية. غير أن هذا الدور اصطدم برفض سوداني واضح، إذ اتهمت الخرطوم نيروبي بالانحياز السياسي، تبنّي مقاربة تدويل الأزمة، والتعامل مع الدعم السريع كطرف سياسي لا كقوة متمردة.

هذا الخلاف أثّر مباشرة على قرارات إيغاد، وأضعف قدرتها على فرض أي مسار وساطي جامع.

الدولة الثانية ذات العلاقة المعقدة مع السودان لاعتبارات الجيرة والتاريخ هي أثيوبيا التي اتسم موقفها بالحذر الشديد بسبب المخاوف الأمنية على حدود الفشقة ووضعها الداخلي الهش بعد حرب تيغراي ومخاوفها من دعم السودان لتغراي وأرتريا ومصر وهو المحور الذي يسكل مصدر القلق الرئيسي بالنسبة لها.

يمكن القول بأن أديس أبابا دعمت دور إيغاد شكليًا، لكنها تجنبت الضغط المباشر على أي طرف سوداني، أو الانحياز العلني، ما جعل تأثيرها محدودًا رغم ثقلها الإقليمي.

دولة جنوب السودان تبنت منذ البداية خطاب الوساطة والدعوة لوقف الحرب، دون الدخول في تفاصيل سياسية حادة، وذلك للارتباط العضوي بين السودان ودولة جنوب السودان في كثير من المحاور الاقتصادية والأمنية التي لم تنته باستقلال دولة الجنوب عن الشمال وسعى رئيسها سلفاكير للعب دور موازن داخل إيغاد، لكنه اصطدم بضعف أدوات التأثير.

جيبوتي، وهي دول المقر، برز دورها خاصة خلال رئاستها الدورية للهيئة كطرف أقل صداماً مع الخرطوم، وأكثر تركيزًا على الحفاظ على تماسك المنظمة.

وتمثل دورها في احتواء أزمة تجميد عضوية السودان، وإعادة صياغة خطاب إيغاد حول السيادة وعدم التدخل، وتمهيد الطريق لعودة السودان لاستئناف نشاطه مرة أخرى في الهيئة.

العودة.. انتصار أم اعتراف
عودة السودان إلى إيغاد لم تكن انتصارًا للمنظمة أو السودان بقدر ما كانت اعترافًا متبادلًا بحدود قدرة إيغاد على فرض حل، وحدود قدرة الخرطوم على إدارة القطيعة الإقليمية. مع الأخذ في الاعتبار غياب السودان عن مناشط الاتحاد الأفريقي منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، بعد أن جمد الأخير عضوية السودان وفقاً لسياساته تجاه الانقلابات العسكرية.

وفيما تمثل عودة السودان استئناف نشاطه في "إيغاد" قراراً بيده للعودة إلى جزء من النشاط المنظم أفريقياً، تلقى معضلة عودته إلى النشاط الكبر داهل المحافل الأفريقية رهينة بانتفاء اسباب تجميد عضويته، هي عودة السودان إلى الوضعية الدستورية الشرعية. فالاتحاد الأفريقي الذي تأسس "بصيغته الحديثة عام 2002" بعد تجربة طويلة مع الانقلابات، اعتمد معيار الشرعية الدستورية كأحد أعمدته الأساسية. ولهذا فهو يعترف بالحكومات لا بمجرد الدول، ويعلّق عضوية أي دولة يحدث فيها تغيير غير دستوري للسلطة.

معرض الصور