تم التحديث: ١٠ فبراير ٢٠٢٦ 14:34:05

حضور نساء شرق السودان.. قراءة أنثروبولوجية
خديجة مصطفى
باحثة في قضايا العدالة الاجتماعية
يشهد شرق السودان منذ عقود حالة ممتدة من الهشاشة، نتجت عن تراكم النزاعات المتقطعة، والتوترات القبلية، وضعف الخدمات الأساسية. ومع اندلاع حرب 15 أبريل 2023، أصبح النزوح جزءًا بنيويًا من الحياة اليومية، حيث اضطرت آلاف الأسر إلى مغادرة مناطق النزاع نحو المناطق التي وُصفت نسبيًا بالآمنة في ولايات شرق السودان، إضافة إلى ولايتي نهر النيل والشمالية.
غير أن النزوح إلى شرق السودان المرتبط بالحرب لم يحدث في سياق مستقر، بل تراكم فوق واقع طويل من النزوح السنوي الناتج عن الفيضانات، خاصة في مناطق مثل الفاو ودلتا القاش. هذا التضاعف في حجم الكارثة البيئية تجلّى بوضوح في ولاية البحر الأحمر، التي شهدت في عام 2024 – حتى بعد اندلاع الحرب – عدة حوادث فيضانات كبيرة، أبرزها في محليتي طوكر والقنب والأوليب، إلى جانب واحدة من أخطر الكوارث عقب انكسار سد أربعات. وقد أدى ذلك إلى نزوح داخلي واسع، وتدمير المنازل، وانقطاع خدمات المتابعة الصحية، لا سيما للنساء الحوامل.
في هذه البيئات المتداخلة من الحرب، والفيضانات، وانهيار البنية الصحية، تصبح النساء الفئة الأكثر هشاشة، حيث يواجهن فقدان المتابعة الطبية أثناء الحمل، والولادة في أماكن غير مجهزة، وانعدام خدمات الطوارئ في المحليات الريفية.
الصحة الإنجابية في سياق الانهيار الصحي
تُعد الصحة الإنجابية من أكثر القطاعات تضررًا في شرق السودان. وتشير بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) إلى أن أكثر من 1.75 مليون امرأة وفتاة في السودان يحتجن إلى خدمات صحة إنجابية عاجلة. كما تتوقع منظمة الصحة العالمية حدوث أكثر من 1.1 مليون ولادة خلال عام واحد في ظل الانهيار شبه الكامل للنظام الصحي. ويُظهر مسح HeRAMS أن أقل من 30% من المرافق الصحية قادرة على تقديم خدمات صحة إنجابية أساسية بشكل منتظم.
في هذا السياق، لا تمثل القابلة غير المدربة مجرد فاعلة تقليدية في عملية الولادة، بل تشكّل جزءًا أصيلًا من منظومة الرعاية البديلة التي نشأت تاريخيًا في ظل غياب التنمية. ومن منظور أنثروبولوجي، لا يمكن تفسير حضور القابلة التقليدية باعتباره مجرد استمرار لـ“عادات قديمة”، بل بوصفه استجابة اجتماعية عقلانية لغياب النظام الصحي الرسمي، وحاجة النساء إلى وسيط موثوق، متاح، ومندمج في النسيج الاجتماعي.
تعمل القابلة التقليدية داخل شبكة معقدة من العلاقات؛ فهي تعرف التاريخ الصحي والاجتماعي للنساء، وتتحرك داخل الحي أو القرية دون عوائق، وتُستدعى في أي وقت وبتكلفة محدودة، كما تعمل ضمن منظومات دعم مجتمعية ، تساهم في توفير المستلزمات الطبية أو تكاليف النقل عند الضرورة.

الرعاية البديلة كمنظومة نسوية
تشير الرعاية البديلة إلى مجموعة من الممارسات والآليات الاجتماعية التي يطوّرها المجتمع لتعويض ضعف أو غياب الخدمات الرسمية، خاصة في مجالات الصحة، والدعم الاجتماعي، وإدارة الأزمات. وهي منظومة متكاملة تقوم على إنتاج المعرفة المحلية، والتشبيك الاجتماعي، وإدارة المخاطر اليومية.
ضمن هذه البنية، يبرز السالف كأحد أهم أدوات التضامن المجتمعي. والسالف هو نظام دعم اقتصادي واجتماعي يشارك فيه النساء والرجال، يقوم على تقديم مبالغ مالية أو موارد عينية بشكل دوري أو عند الحاجة، بهدف مساعدة الأسر على مواجهة الأزمات أو تغطية الاحتياجات الطارئة. ولا يُعد السالف مجرد “جمعية مالية”، بل آلية مجتمعية لإعادة توزيع الموارد في البيئات التي تضعف فيها الخدمات الحكومية.
ورغم مشاركة الرجال في نظام السالف، إلا أن النساء يتحكمن في تفاصيله الدقيقة، مما يحوّله إلى أداة رعاية بديلة ،ليعمل كاداه نسوية لإدارة الهشاشة، تحوّل الموارد المحدودة إلى قدرة جماعية على حماية الأجساد في لحظات الضعف.
يعمل السالف، بوصفه نظامًا أهليا للتبادل المالي والاجتماعي، كآلية يومية لإعادة إنتاج العلاقات، إذ لا يقتصر دوره على توفير موارد للرعاية أو للصحة الإنجابية، بل يشكّل أيضًا مساحة تُدار فيها التوترات الصغيرة وتُرمّم فيها الروابط بين الأسر. ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن فهم السالف كجزء من “اقتصاد أخلاقي” يقوم على الالتزام المتبادل، حيث تتحول المساهمات المالية إلى أدوات لإعادة ترتيب العلاقات وحفظ التوازن الاجتماعي. وهذا الدور يجعل السالف امتدادًا يوميا للقلد، وهو نظام المصالحة التقليدي الذي يستخدم لإعادة التوازن بعد النزاعات الكبرى. فالقلد يعمل على مستوى الجماعات عبر التعويض والاعتراف الرمزي، بينما يعمل السالف على مستوى الحياة اليومية عبر التزامات صغيرة تبقي العلاقات في حالة تماسك.
أغفلت الأدبيات الأنثروبولوجية، التي تناولت القلد ركزت على أدوار الرجال والقيادات الأهلية، حضور النساء داخل هذه المنظومات، إذ يظهرن غالبًا في الهامش بوصفهن جزءًا من “الخلفية الاجتماعية” للصلح، لا كعناصر فاعلة في إنتاجه. غير أن قراءة أكثر دقة تكشف أن حضور النساء يشكّل البنية التحتية العاطفية والاجتماعية التي تسمح للسالف والقلد بالعمل. فالنساء، عبر تنظيمهن لدورات السالف، واستقبالهن للزيارات، وإدارتهم للطقوس اليومية المحيطة بالمصالحة، يخلقن مناخًا اجتماعيًا يمكّن القلد من أداء وظيفته، ويمنح السالف قدرته على صيانة العلاقات. وبهذا المعنى، يصبح حضور النساء عنصرًا بنيويًا في منظومة المصالحة والرعاية، حتى وإن لم تعترف به الأدبيات التقليدية.
الشريفة مريم: نموذج لمشاركة النساء في الفضاءات الهشّة
لم يعرف التاريخ السياسي السوداني الحديث حضورًا واضحًا لنساء شرق السودان في المجال العام، إذ ظلت السرديات السياسية محصورة في البيوت الدينية الكبرى والنخب المركزية، بينما بقيت النساء في الشرق خارج الأرشيف والذاكرة السياسية الرسمية.
هذا الغياب لا يعكس غياب الفعل، بقدر ما يعكس غياب التوثيق. فالمجتمعات الهشة غالبًا ما تُنتج نساء فاعلات يعملن خارج الأطر المؤسسية، لكن التاريخ المكتوب لا يلتفت إليهن.
في هذا السياق، تبرز الشريفة مريم كنموذج لامرأة لم تسجل في التاريخ السياسي الرسمي، لكنها تركت أثرًا اجتماعيًا يفوق أثر كثير من الفاعلين السياسيين. فقد كشف حضورها في سنكات وسواكن وبورتسودان عن شكل آخر من المشاركة النسوية، مشاركة تُمارس عبر الوساطة، والرعاية، وإدارة النزاعات، وإعادة توزيع الموارد، وهي ممارسات تشكل جوهر السياسة الاجتماعية.
ورغم وفاتها، ما تزال ذكراها حاضرة بوصفها حافظة للنسيج الاجتماعي. إذ تمثل الحولية السنوية للشريفة مريم مركزًا اجتماعيًا فاعلًا يسمح للنساء بالمشاركة في فضاء عام، رغم القيود المفروضة عليهن في فضاءات أخرى. ويعمل هذا المركز كآلية للصلح وتجديد الروابط الاجتماعية، تمارس فيه النساء دورًا تفاوضيًا غير معلن، تُدار من خلاله العلاقات، وتُحل النزاعات، وتُعاد صياغة التوازنات الاجتماعية بما يعزز الاستقرار المحلي.
تكشف سيرة الشريفة مريم عن أن المصالحة في شرق السودان لا تُدار فقط عبر القلد بوصفه مؤسسة رسمية للصلح، بل أيضا عبر ممارسات نسوية غير مكتوبة، تعيد من خلالها النساء ترتيب العلاقات وتليين المواقف. ومن بين أهم هذه الممارسات الأغنية النسوية، التي تعمل كأداة تفاوض رمزية. فالأغاني التي ترددها النساء في المناسبات أو أثناء الزيارات ليست مجرد تعبير جمالي، بل خطاب اجتماعي يحمل رسائل عن العيب، والكرم، والصلح، والاحترام، ويعيد تعريف حدود المقبول والمرفوض. وفي لحظات التوتر، يمكن للأغنية أن تؤدي وظيفة “الوسيط العاطفي” الذي يفتح باب الكلام، أو يخفف من حدة الغضب، أو يذكر الأطراف بقيم الجماعة.
فبينما يتصدر الرجال مشهد الصلح الرسمي، تعمل النساء بقوة على إعادة تهيئة العلاقات، وتليين المواقف، وصناعة لغة رمزية مشتركة عبر الأغنية والطقوس اليومية. وهذا الحضور هو ما يمنح المصالحة قدرتها على الاستمرار، ويجعل من النساء معماريات غير مرئيات للنسيج الاجتماعي.
المبادرات النسوية: امتداد معاصر
تشكل النساء في شرق السودان شبكة تنظيمية غير معلنة تدير الموارد، وتنسق العلاقات، وتوفر الحماية الاجتماعية في المناسبات والأزمات. تعمل هذه الشبكة خارج الهياكل الرسمية، لكنها أثبتت فاعليتها في إدارة المناسبات، وتوزيع الموارد، واحتواء النزاعات، ودعم النساء الأكثر هشاشة. وتكشف التجارب المعاشة في الشرق عن قدرة النساء على بناء أنظمة دعم مرنة تعيد إنتاج الحياة اليومية، وتسُدّ فجوات الدولة عبر منظومة رعاية بديلة.
وجد هذا التنظيم غير الرسمي امتدادًا معاصرًا في جمعيات تنمية المرأه و المبادرات النسوية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد 2018، والتي تعمل بالروح ذاتها ولكن بأدوات مختلفة ، ومن هذه المبادرات على سبيل الذكر لا الحصر المنبر النسوي، تجمع طالبات القضارف ، تجمع نساء شرق السودان ، جمعية تكنان ،اليه تنمية المراة بشرق السودان وجمعية ٨ مارس.
تبرز جمعية ٨ مارس النسوية، وهي من أقرب التنظيمات إلى سياق ولاية البحر الأحمر، وتضم في عضويتها نساء من المنطقة يعملن في قضايا النوع الاجتماعي، وتعليم المراه، وقضايا السلام المجتمعي .
تشير أريج حسين، تعمل كمديرة الجمعية ومخرجة تعمل في القضايا النسوية، إلى أن المبادرة نشأت من حاجة حقيقية لخلق فضاء آمن للنساء، وتقديم دعم مباشر في بيئة تعاني من ضعف الخدمات. كما تعمل أريج على تنظيم الفعاليات النسوية، ودعم توثيق مبادرات النساء، باعتبار التوثيق جزءًا أساسيًا من حماية الذاكرة النسوية، ومنح النساء حضورًا في سجل العمل العام.
توضح أريج أن المبادرات النسوية في شرق السودان تعمل بموارد محدودة للغاية، لكنها تؤدي عملًا جبارًا في سياق شديد الهشاشة، حيث تقدم دعمًا نفسيًا واجتماعيًا، وتنظم ورش توعية في مجال تنمية المراه، وتنسق مبادرات إغاثة لاحتياجات النساء من حقائب الكرامة خلال النزوح والفيضانات، إلى جانب إنتاج مواد توثيقية تحفظ تجارب النساء وتُظهر أثرهن المجتمعي. ومع ذلك، تواجه هذه المبادرات تحديات كبيرة في توطين العمل الإنساني والتنموي، إذ تفرض المنظمات الدولية معايير وإجراءات معقدة لا تتناسب مع قدرات المبادرات المحلية، ما يخلق فجوة بين الاحتياجات الفعلية على الأرض والمتطلبات البيروقراطية.
كما تشير أريج إلى وجود جيل كامل من الشابات الراغبات في العمل الطوعي في مجال تنمية المراة ، لكنهن يواجهن نقصًا في التدريب، وضعفًا في فرص بناء القدرات، وغياب مسارات واضحة للانخراط في العمل الإنساني. ورغم ذلك، تستمر المبادرات النسوية في العمل، مستندة إلى شبكات التضامن المحلية، وخبرة النساء في إدارة الأزمات اليومية، وبدرجة كبيرة على الدعم الأهلي.
تظهر تجربة شرق السودان أن النساء، رغم هشاشة السياق، يتحولن إلى فاعلات رئيسيات في إدارة الحياة اليومية والأزمات. من السالف إلى القابلات التقليديات والمبادرات النسوية، تشكل هذه الشبكات منظومة رعاية بديلة تعوّض غياب الدولة، وتحمي المجتمع من هشاشته. الاعتراف بدورهن ودعمه يمثل مفتاحًا لأي استجابة مستدامة، ويجعل صوت المرأة المحلي محورًا للحماية والتنمية.


