تم التحديث: ١٢ فبراير ٢٠٢٦ 16:44:56

حمّى الضنك تتفشّى في ولاية نهر النيل وسط تدهور صحي متصاعد
متابعات – مواطنون
تشهد ولاية نهر النيل، شمال الخرطوم، انتشارًا واسعًا ومتزايدًا لحالات الإصابة بحمّى الضنك، في موجة تفشٍّ أثقلت كاهل النظام الصحي المتأثر أصلًا بتداعيات انتشار الملاريا خلال الأسابيع الماضية. وقد أدى تصاعد الإصابات إلى ضغط شديد على المستشفيات والمراكز العلاجية التي امتلأت بالمرضى، في ظل ضعف ملحوظ في الاستجابة الرسمية وغياب حملات فعالة لإصحاح البيئة ومكافحة البعوض الناقل للأمراض.
ويتزامن الوضع الصحي المتدهور مع ارتفاع حاد في أسعار الأدوية ونقص بعضها، إلى جانب تعثر الخدمات العلاجية، ما ضاعف معاناة المواطنين، خاصة في المناطق الريفية والأكثر هشاشة. وسجلت المؤسسات الصحية في المدن والأرياف أعدادًا متزايدة من المصابين، بينها حالات استدعت التنويم، لا سيما بين الأطفال وكبار السن.
وتزداد المخاوف من تحوّل المرض إلى حالة مستوطنة في الولاية، في ظل بيئة مواتية لتكاثر البعوض نتيجة انتشار البرك الراكدة ومخلفات المياه وضعف خدمات النظافة وتصريف المياه، إضافة إلى محدودية حملات الرش والمكافحة الدورية. وقد تسبب تزايد أعداد المرضى في ضغط غير مسبوق على النظام الصحي المحلي، حيث ازدحمت أقسام الطوارئ وامتلأت عنابر التنويم، واضطر بعض المرضى لتلقي العلاج في ظروف غير ملائمة، بينما يعاني الكادر الطبي من عبء العمل ونقص الإمدادات الأساسية مثل المحاليل الوريدية وخافضات الحرارة وأدوية الملاريا.
ويُلاحظ كذلك ضعف أو غياب حملات إصحاح البيئة ومكافحة النواقل، سواء من حيث الرش المنتظم أو إزالة بؤر تكاثر البعوض أو تنفيذ برامج توعية مجتمعية فعالة، إلى جانب قصور في التنسيق بين الجهات الصحية والبيئية والمحليات، ما أدى إلى تراكم النفايات وركود المياه في الأحياء، خاصة الطرفية والريفية. كما ساهم غياب الاستعدادات المسبقة لموسم الخريف والسيول في خلق بيئة مثالية لانتشار البعوض، الأمر الذي ينذر بتكرار موجات وبائية ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة.
ويفاقم الأزمة ارتفاع تكاليف العلاج والفحوصات المخبرية، ما يشكل عبئًا إضافيًا على المواطنين في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، إذ تلجأ بعض الأسر إلى القطاع الصحي الخاص لتعويض ضعف الخدمات العامة، وهو ما يزيد من الإنفاق من الجيب الخاص ويستنزف مدخرات الأسر أو يدفعها إلى الاستدانة.
وتكشف هذه الأزمة عن تحديات هيكلية يعاني منها القطاع الصحي في الولاية، تشمل ضعف التمويل ونقص الكوادر المؤهلة وغياب أنظمة فعالة للرصد الوبائي والاستجابة السريعة، فضلًا عن هشاشة البنية التحتية الصحية في المناطق الريفية، ما يصعّب احتواء أي تفشٍّ في مراحله الأولى. كما لا يزال مستوى الوعي الصحي محدودًا لدى شريحة من السكان، خاصة فيما يتعلق بوسائل الوقاية مثل استخدام الناموسيات، وردم البرك، والتخلص السليم من النفايات، وطلب العلاج المبكر عند ظهور الأعراض.
ويحذر مختصون من أن استمرار الوضع دون تدخل عاجل قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة واتساع رقعة انتشار الأمراض، بما يهدد الاستقرار الصحي والاجتماعي في الولاية. وتبرز الحاجة إلى تحرك فوري ومنسق يشمل إطلاق حملات مكثفة لإصحاح البيئة ومكافحة البعوض، وتعزيز الإمدادات الطبية، وضمان توفر الأدوية الأساسية بأسعار مناسبة، إلى جانب تفعيل برامج التوعية والرصد الوبائي المبكر، باعتبار أن حماية الصحة العامة مسؤولية مشتركة تتطلب استجابة شاملة تضع سلامة المواطنين في مقدمة الأولويات.

