تم النشر بتاريخ: ٢٦ فبراير ٢٠٢٦ 17:28:22
تم التحديث: ٢٦ فبراير ٢٠٢٦ 17:32:17

الرباعية الدولية لسلام السودان.. تحديات على أرض الواقع

الأصمعي باشري
في ظل استمرار النزاع المسلّح في السودان بين الجيش السوداني و‏قوات الدعم السريع‏ منذ أبريل 2023، تعمل آلية الرباعية الدولية للسلام في السودان (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، والإمارات) على بلورة مبادرة متعددة المحاور لإنهاء الحرب ومعالجة الأزمة الإنسانية. حيث وصل هذا المسار إلى صيغته النهائية المعدة والمعدلة من قبل كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس.

الهدف الأساسي لهذه المبادرة، كما يعبر عنه الجانب الرباعي والولايات المتحدة بشكل خاص، هو الوصول إلى وقف شامل لإطلاق النار، هدنة إنسانية طويلة الأمد، ثم عملية سياسية انتقالية شاملة تقود إلى حكم مدني. وقد سُلّمت نسخة نهائية من هذا المقترح إلى الطرفين المتصارعين (الجيش و‏‏قوات الدعم السريع)، لكن القبول والتنفيذ لا يزالان موضع خلاف أساسي بين الأطراف السودانية.

تقوم المبادرة، وفق تصريحات وزارة الخارجية الأميركية وأخصائيين دوليين، على خمسة محاور رئيسية: هدنة إنسانية فورية، ضمان وصول المساعدات وحماية المدنيين، وقف دائم لإطلاق النار مع ترتيبات أمنية موثوقة، عملية انتقال سياسي شاملة بقيادة مدنية، وخطة طويلة الأمد لإعادة الإعمار والاستقرار.

ويُنظر إلى الهدنة الإنسانية كخطوة أولى تمهيدية، إذ يصبح من الصعب الانتقال إلى مراحل أوسع بدون توقف فوري للقتال يسمح بتخفيف المعاناة الهائلة للسكان وإتاحة مساحة للحوار السياسي.

في التعامل مع هذا المقترح، الحكومة السودانية بقيادة الجيش أصرت على أن أي مبادرة أو مقترح لا بد أن يحترم "المصلحة العليا للسودان"، السيادة الوطنية، الأمن الوطني، وحدة أراضيه، ووحدة مؤسساته وسلامتها الإقليمية. وأوضحت الخارجية السودانية أن قبولها المقترحات غير مضمون بشكل آلي، وأن أي مقترح لا يراعي مصالح البلاد العليا "لن يحظى بموافقة الحكومة ولن يجد طريقه للتنفيذ". وهذه الشرطيات تمثل مؤشرًا قويًا على تحفظات المؤسسة العسكرية على بعض بنود المبادرة أو صياغتها، خاصة في جوانب ترتبط بالهيكلة السياسية المستقبلية أو دور الجيش في الدولة بعد وقف الحرب.

أما ‏‏‏قوات الدعم السريع، فقد تبنت في فترات سابقة مواقف متفاوتة تجاه الرباعية. في نوفمبر 2025، أعلنت هذه القوات موافقتها على هدنة إنسانية اقترحتها الرباعية، وأعربت عن استعدادها لخوض مباحثات حول ترتيبات وقف العدائيات والمبادئ الأساسية للمسار السياسي بهدف معالجة أسباب الحرب وتحقيق سلام عادل وشامل. وهذا يشير إلى أن جزءًا من القيادات في الدعم السريع يرى في المبادرة مدخلاً لتخفيف الضغوط الدولية الداخلية، رغم سجّلها الميداني في السيطرة على مناطق عدة والسعي لتثبيت نفوذها السياسي والعسكري.

من منظور المراقبين والمحللين السياسيين، يُنظر إلى مبادرة الرباعية بصفتها إطارًا دبلوماسيًا دوليًا مهمًا لكنه غير كاف بذاته ما لم تُترجم نصوصه إلى آليات تنفيذ فعّالة. في التقييمات المنشورة، يُشدد المحللون على فجوة كبيرة بين لغة المبادرة وبين الواقع على الأرض، مؤكدين أن النجاح الحقيقي لأي مسار سلام يعتمد على قدرة الرباعية على ضمان التزام الأطراف المعنية باتفاقات وقف إطلاق النار، إنشاء آليات مراقبة مستقلة، والمسائلة عن الانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين من قبل كافة الأطراف. ويرى الكثيرون أن مجرد التوقيع على نصوص دبلوماسية دون آليات تنفيذ صارمة قد يؤدي إلى هدنة هشة تستغلها القوى العسكرية لإعادة التموضع أو إطالة أمد النزاع، مما يفاقم الأزمة الإنسانية بدلاً من حلّها.

أحد الانتقادات المتكررة في التحليلات هو أن الرباعية لا تتضمن شفافية كاملة في تعاملها مع مصالح القوى الإقليمية والدول الكبرى، حيث يُنظر إلى تحركات بعض الدول في الرباعية أو محيطها على أنها مدفوعة بمصالح استراتيجية أوسع في المنطقة (مثل أمن البحر الأحمر أو التوازن الجيوسياسي)، مما قد يقلل من الثقة السودانية بأن المبادرة تعالج أولوية إنهاء الحرب وحماية المدنيين بقدر ما تُعالج مصالح القوى الكبرى. ‏ناشد بعض المحللين أيضًا ضرورة إشراك أكثر فعالية للمنظمات الدولية، الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي لضمان رقابة مستقلة وتحقيق العدالة الانتقالية.

بشكل عام، موقف الجيش السوداني يميل إلى الحذر والتحفظ تجاه المبادرة، مؤكدًا على السيادة والمصلحة العليا دون العدول الكامل عن شروطه؛ بينما قوى الدعم السريع أبدت استعدادًا مرحليًا لقبول أجزاء من المبادرة، مثل الهدنة الإنسانية، لكنها لم تُعطِ موافقة نهائية على المسار السياسي الشامل. بهذا، تبقى المبادرة الرباعية نصًا دوليًا مهمًا ورافعة دبلوماسية قوية، لكنها تواجه تحديات جوهرية في التطبيق بسبب انعدام الثقة المتبادلة بين الأطراف، المخاوف من تأثير الشروط العسكرية على المستقبل السياسي، وإمكان استغلال حالات الهدنة لتكتيكات عسكرية جديدة. ويظل السؤال المفتوح لدى المحللين: هل تستطيع الرباعية أن تخلق توازنًا بين الضغط الدولي واحترام الإرادة الوطنية لتحقيق وقف حرب دائم وحل سياسي يحفظ الأمن والاستقرار ويعالج جذور النزاع؟

معرض الصور