تم النشر بتاريخ: ٣ أغسطس ٢٠٢٦ 09:05:00
تم التحديث: ٣ أغسطس ٢٠٢٦ 09:08:29

الصورة: مرصد الإعلام العربي

لماذا تغيب أخبار السودان عن الشاشات العربية والدولية؟

المصدر: armediaobserver.com
في نادي الصحافة العريق «فرونت لاين كلوب» بلندن، انطفأت شاشة عرض فيلم «لا مخرج من الفاشر»، وقد مرّت أمام الحاضرين — من صحفيين ومنتجين وحقوقيين — مشاهدُ جرائم مهولة بحق مدنيي المدينة المحاصَرة.

لم يخرج السؤال حينها من فم صحفي واحد يبحث عن زاوية، بل ارتفع من القاعة كلها في صوت واحد أقرب إلى الاتهام: أين أخبار السودان؟ كيف تُبتلع إبادة بحجم إقليم في صمت شبه تام، بينما تتزاحم الكاميرات على حرب غزة والمواجهة الأمريكية–الإيرانية؟

السؤال ليس شكوى عابرة؛ له إجابة، ولها بنية، ولها مستفيدون. والرواية الشائعة تقول إن السودان «حرب منسية» أهملها العالم سهوًا، غير أن قراءة متأنية تكشف أن النسيان هنا صناعة لا مصادفة، وأن للصمت مهندسين.

أرقام تكشف حجم ما يُطمس في السودان
الأرقام وحدها تكفي لقياس ما يُطمس. فمنذ أبريل/نيسان 2023، دُفع نحو 12 مليون سوداني خارج بيوتهم — من بينهم 7.7 ملايين نازح في الداخل، و3.2 ملايين لاجئ عبر الحدود — في أكبر أزمة نزوح في العالم، بحسب مفوضية اللاجئين ومنظمة الهجرة الدولية.

وفي الفاشر وحدها، وثّقت مفوضية حقوق الإنسان مقتل نحو 6,000 شخص في ثلاثة أيام أعقبت اقتحام قوات الدعم السريع للمدينة في أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025، والحصيلة الفعلية «أعلى من ذلك بكثير»، حتى ذهب باحثو مختبر «ييل» إلى أن ما قُتل في عشرة أيام قد يفوق حصيلة حرب غزة كلها.

وفي فبراير/شباط 2026، خلصت بعثة تقصي الحقائق الأممية إلى أن ما جرى يحمل «سمات الإبادة الجماعية» بحق قبيلتي الفور والزغاوة.

لماذا يسقط السودان من صدارة الشاشة؟
لماذا إذن يسقط هذا الهول من صدارة الشاشة؟ يكفي لفهم ذلك اختبار واحد نسمّيه «اختبار الصورة»: لا يصعد حدث إلى قلب النشرة إلا إذا اجتمع له شرطان؛ صورة قابلة للبث، ومصلحة نافذة تريدها أن تُرى.

طبّق الاختبار على الحالات الثلاث: غزة تجتازه بالشرطين، وأوكرانيا كذلك؛ أما السودان فيسقط فيهما معًا. وفي هذا السقوط المزدوج يكمن الجواب.

الشرط الأول: ما لا يُصوَّر لا يُوجد
التلفزيون كائن بصري، وحين تنعدم الصورة يغيب الخبر. والسودان أُغلق بإحكام أمام العدسة: تُرفض تأشيرات الصحفيين في بورتسودان، ويُقطع الإنترنت والاتصال أسابيع، ويصير «التضمين» مع طرف عسكري السبيل الوحيد للدخول بثمن من الاستقلال.

يقدّر أحد الصحفيين السودانيين أن «10% فقط من هذه الحرب جرت تغطيتها». وهكذا تغيب المادة الفِلمية لمجازر تقع فعلًا، لا لأنها أقل هولًا من سواها، بل لأن غرف الأخبار المدمنة على الصورة لا تجد ما تبثّه.

الشرط الثاني: من يريدها أن تُرى؟
هنا يتضح الفارق الحاسم. ففي غزة وأوكرانيا مصلحة غربية مباشرة تُبقي الكاميرا مضاءة؛ أما السودان فلا سلاح تورّده لندن أو واشنطن لطرف بعينه فيه، فيهبط إلى ما يسميه باحثون «الفضاء المعلّق».

وقد جاء السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 ليعيد توجيه بوصلة غرف الأخبار كلها نحو الشرق الأوسط، فابتلعت غزة، ثم التصعيد الأمريكي–الإيراني، ما تبقى من مساحة.

والأرقام فاضحة: نشرت «نيويورك تايمز» عن غزة نحو عشرة أضعاف ما نشرته عن السودان، وعن أوكرانيا ثلاثة عشر ضعفًا، بحسب رصد نشرته «بايلاين تايمز». ويضاف إلى ذلك تحيز بنيوي قديم يجعل موت الأفارقة خبرًا «متوقعًا» لا يستحق الصدارة.

حين يريد المموّل ألا تُرى
يبلغ الشرط الثاني ذروته حين لا تكتفي المصلحة النافذة بالصمت، بل تصنع صورة مضادة تشغل بها العين.

تكشف تحقيقات «هيومن رايتس ووتش» و«لاجئون دوليًا» أن الإمارات شريك أساسي في تسليح الدعم السريع وتمويله — من رواتب الضباط إلى تدريب مرتزقة كولومبيين في قواعد إماراتية، وفق تقرير «من بوغوتا إلى الفاشر» الصادر في مايو/أيار 2026.

وفي الجلسة النقاشية التي أعقبت عرض الفيلم، وضعت جوي شيا، الباحثة المتخصصة في شؤون السعودية والإمارات بالمنظمة، اليد على الآلية نفسها، إذ رأت أن «علاقات مجلس مدينة مانشستر بمسؤولين إماراتيين منحت حكومة الإمارات غطاءً معنويًا ثمينًا، بينما تدعم قوات ترتكب فظائع في السودان».

ونادي مانشستر سيتي، الذي يملكه الشيخ منصور بن زايد آل نهيان منذ عام 2008، ليس استثناء، بل نموذجًا: حيث تتبع الكاميرات ملعب الاتحاد ولا تتبع الفاشر، يتحول راعي الحرب إلى راعٍ محترم، وتُوظف أدوات الحضور الإعلامي — البث والصورة والاحتفاء — لإنتاج الغياب.

عربيًا: صاحب المدفع يملك الميكروفون
وعربيًا، على وجه الخصوص: صاحب المدفع يملك الميكروفون. فأحد أطراف الحرب — الإمارات — من كبار مالكي المنصات والقنوات ومموّليها في المنطقة. وحين يكون المحارب نفسه صاحب المنبر، يصير الصمت سياسة تحريرية لا مصادفة.

على أن اختزال المسألة في مؤامرة واحدة تبسيط مخلّ. فصحفيون سودانيون يخاطرون بأرواحهم لتغطية الحرب، ومنظمات حقوقية ومختبرات جامعية وثّقت المجازر بالأقمار الاصطناعية، وبعض المنابر نشرت وحقّقت.

المسألة ليست انعدام المعلومة، بل بنية الانتباه التي تقرر أي معلومة تصعد إلى الصدارة، وأيها تُدفن في الهامش.

من يصوّر الضحية؟
يبقى سؤال القاعة معلّقًا بعد أن انطفأت الشاشة: حين تصير العدسة التي كان يُفترض أن تكشف المجزرة أداة بيد من يموّلها، فمن يصوّر الضحية؟

الانتباه، كالسلاح، لا يُوزع بالعدل؛ يذهب حيث توجّهه المصالح، ويغيب حيث يُراد له أن يغيب.

معرض الصور