تم التحديث: ٧ أغسطس ٢٠٢٦ 16:20:11
جدارية ممزقة عشية الانقلاب
الأصمعي باشري
في مساءٍ ثقيل من أمسيات يونيو 1989، كانت قريتي قندتو جنوب مدينة شندي، تبدو هادئة أكثر مما ينبغي. كأن القرية، من فرط ما اعتادت على هدوئها، لم تكن تسمع وقع الخطوات القادمة من بعيد.
كان الأطفال يملأون الساحات الترابية، يركضون خلف كرة صغيرة، وتتردد ضحكاتهم بين البيوت، فيما جلس الشيوخ تحت ظلال الأشجار يتبادلون الأحاديث اليومية؛ أخبار الزراعة والأسواق والأقارب، ثم السياسة التي لم تعد خبراً بعيداً يأتي من الراديو، بل صارت شيئاً يتسلل إلى مجالسهم وبيوتهم وصداقاتهم.
كانت الخرطوم يومها تغلي، والأحزاب تتصارع، والشوارع تضيق بالخلافات، والمظاهرات التي خرجت من بعض المساجد ضد حكومة الصادق المهدي تزيد المشهد احتقاناً، لكن قندتو، رغم كل شيء، كانت تبدو في تلك الليلة كأنها تعيش مساءً عادياً. وحده شيء غامض في الهواء كان يقول إن العادي أوشك أن ينتهي.
وفي مكان غير بعيد من ذلك المشهد، على حائط نادٍ شبابي صغير، كانت تتدلى جدارية ورقية لم يكن أحد يعرف أنها ستصبح بعد ساعات قليلة واحدة من أكثر الصور التصاقاً بذاكرتي عن تلك الأيام؛ ورقة كبيرة معلقة بمسامير بسيطة، كتبنا عليها أخبارنا وآراءنا وأسئلتنا، ثم جاءت يد واحدة فمزقتها، قبل أن يمزق الانقلاب، في اليوم التالي، مساحة أوسع بكثير من حياة السودانيين.
بدأت حكايتي مع تلك الجدارية قبل ذلك بعام تقريباً، حين انخرطت، مثل كثيرين من أبناء جيلي، في العمل العام عبر اتحاد شباب قندتو، وهو تنظيم أهلي طوعي أنشأناه لنمنح الشباب مساحة للحياة خارج ضيق السياسة المباشرة؛ للرياضة والثقافة والندوات والبرامج الاجتماعية، ولإحساس بسيط بأن القرية يمكن أن تصنع شيئاً لنفسها من دون أن تنتظر أحداً من الخرطوم.
في عام 1988 كنت سكرتيراً للشؤون الاجتماعية في دورة كان يرأسها أحد كوادر الجبهة الإسلامية القومية، وهو شاب سيصبح بعد سنوات ضابطاً بارزاً في جهاز المخابرات. يومها لم تكن الأسماء تحمل في أذهاننا ما حملته لاحقاً، ولم نكن نعرف أن بعض الوجوه التي نجلس معها حول طاولة واحدة ستصبح جزءاً من جهاز الدولة الجديد، وأن بعض الذين كانوا يتجادلون معنا حول نشاط شبابي صغير سيجدون أنفسهم، بعد الانقلاب، في مواقع تجعل الكلمة نفسها فعلاً محفوفاً بالخطر.
كان الاتحاد بالنسبة لنا بيتاً واسعاً للشباب، ولم نكن نرى ضرورة لأن نسأل كل شخص عن حزبه قبل أن ندعوه إلى اجتماع أو نشارك معه في نشاط، لكن السياسة كانت قد بدأت تتسلل إلى كل شيء، مثل ماء يتسرب من شق صغير في جدار ثم لا يتوقف. أخذت الحساسية تتزايد تجاه وجود الكادر الإسلامي على رأس الاتحاد، وكان في المجتمع المحلي من يرى أن تمدد الإسلاميين داخل المؤسسات الأهلية بدأ يأخذ أكثر مما ينبغي من المساحة، وأن بقاءه في موقع القيادة يجعل التعاون بين الاتحاد والمجلس الشعبي المحلي أكثر صعوبة.
تراكمت الضغوط حتى جرى استبداله بشخصية مستقلة تحظى بقبول أوسع، وانتقلت أنا إلى منصب السكرتير العام للاتحاد. لم نكن نعرف وقتها أن ما يجري داخل ذلك الاتحاد الصغير يشبه، على نحو يكاد يكون حرفياً، ما كان يحدث في السودان كله؛ صراع على المساحات، وعلى النفوذ، وعلى تعريف من يحق له أن يتحدث باسم المجتمع، ومن يملك حق رسم مستقبله.
جاءت انتخابات يونيو 1989، وتشكلت لجنة تنفيذية جديدة احتفظت فيها بمنصب السكرتير العام، وكان يمكن لنا أن نكتفي بتسيير النشاط المعتاد، لكننا قررنا أن ننظم أسبوعاً ثقافياً، أسبوعاً أردناه مساحة للقاء لا ساحة للمواجهة، وأن نثبت لأنفسنا وللشباب أن الثقافة تستطيع، ولو مؤقتاً، أن تفتح نافذة في جدار السياسة.
امتلأت الأيام بالندوات والأمسيات والبرامج الاجتماعية، وأصدرنا صحيفة حائطية يومية أطلقنا عليها اسم «جدارية الأسبوع». كنت أتقاسم مسؤولية تحريرها مع سكرتيرة الشؤون الثقافية والإعلام، وكنا نكتب ونراجع ونعلق ما كتبناه على الجدار، ثم نقف أحياناً أمامه لنرى الناس يقرأون. كانت الجدارية بسيطة، أوراقاً وأقلاماً ومساحة محدودة، لكنها كانت بالنسبة إلينا شيئاً أكبر من حجمها؛ نافذة صغيرة يطل منها شباب القرية على قضاياهم وقضايا بلدهم.
وفي اليوم الثالث كتبنا عنواناً لم يكن خافياً ما يحمله من موقف سياسي: «ثورة المساجد... زعزعة لاستقرار وأمن السودان». كنا نعترض على توظيف المساجد في الصراع السياسي، ونخشى أن تتحول أماكن العبادة إلى أدوات للتعبئة الحزبية، وأن يصبح الدين وقوداً لصراع سيأكل ما تبقى من مساحة مشتركة بين السودانيين.
لم نكتب العنوان لنشعل معركة، بل لأننا كنا نؤمن، ببساطة ربما كانت ساذجة، بأن الجدار مكان للرأي، وأن الاختلاف لا يحتاج إلى أكثر من رد مكتوب أو نقاش في الندوة التالية. لكن الجدارية لم تبق طويلاً. تقدم أحد الإسلاميين، وهو الشخص نفسه الذي سيصبح لاحقاً ضابطاً عظيماً في جهاز المخابرات، نحو الجدار. لم يكن المشهد طويلاً، ولم يحتج إلى خطبة أو تهديد أو نقاش. مد يده إلى الورقة ومزقها.
أتذكر حتى الآن صوت الورق وهو ينشق تحت يده؛ صوت قصير، حاد، كأن شيئاً هشاً في داخلنا انكسر معه. تدلت الجدارية من المسامير، وسقطت بعض قصاصاتها على الأرض، وبقيت أجزاء أخرى معلقة، تتأرجح قليلاً في الهواء.
وقفت أمامها وأنا أنظر إلى العنوان الممزق، وشعرت، للمرة الأولى، أن الأمر لا يتعلق بجدارية. كان السودان نفسه يبدو لي في تلك اللحظة مثل تلك الورقة؛ كل طرف يشد جزءاً منه نحوه، وكلما ازداد الشد انشق النسيج أكثر. لم نكن نعرف أن الوقت المتبقي كان قصيراً جداً، وأن الخرطوم التي بدت لنا في الأخبار بعيدة، كانت تتهيأ لتغيير وجه البلاد كله. بعد ساعات قليلة، وقبل أن يطلع الصباح، استيقظ السودانيون على وقع البيان الأول.
في الثلاثين من يونيو 1989، أُطيحت حكومة الصادق المهدي المنتخبة بانقلاب عسكري، ودخل السودان، منذ ذلك الفجر، في عهد سياسي جديد. تبدلت اللغة، وتبدلت المؤسسات، وتبدلت العلاقة بين الدولة والمجتمع، واكتشف الناس بسرعة أن ما كان يمكن قوله بالأمس قد يصبح اليوم سبباً للخوف.
وصلت أصداء الانقلاب إلى قندتو سريعاً، وفي اليوم التالي طالب جدي سلمان عوض الكريم، «السنجك»، رحمه الله، بإلغاء ما تبقى من فعاليات الأسبوع الثقافي. كان أكثر منا قراءة للخطر؛ رأى أن البلاد دخلت عهداً جديداً، وأن الاستمرار في نشاط ثقافي في تلك اللحظة قد يكون مغامرة لا نعرف عواقبها. لكنه كان يتحدث بمنطق رجل رأى السلطة وهي تتغير، بينما كنت أنا أتكلم بمنطق شاب لا يزال يعتقد أن الثقافة يمكن أن تقف على مسافة من السلطة. رفضت إلغاء البرنامج.
قلت، في داخلي على الأقل، إن انقلاباً حدث في الخرطوم لا ينبغي أن يغلق نادياً في قندتو، وإن الشباب الذين اجتمعوا للثقافة ليسوا طرفاً في الصراع، وإن المنبر الذي فتحناه للحوار يجب ألا يغلق لمجرد أن السلطة تغيرت. تمسكت بموقفي، وربما لم أكن أدرك أنني كنت أتشبث بشيء أكبر من أسبوع ثقافي؛ كنت أتشبث بفكرة أن هناك مساحة صغيرة يمكن أن تبقى خارج قبضة السياسة. لكن الواقع كان أسرع وأقسى من قناعاتنا. أخذ الخوف يتسرب إلى النفوس، وتغيرت نبرة الناس، وبدأت الأسئلة الصامتة تظهر في العيون قبل أن تظهر على الألسنة: ماذا سيحدث؟ من يراقب؟ ومن يمكن الوثوق به؟ ومع اتساع الضغوط، انحازت الأغلبية إلى خيار الإلغاء.
توقفت الفعاليات قبل أن تكتمل، وأغلقت أبواب النادي، وانطفأت أضواء الأسبوع الثقافي كما تنطفئ شمعة وحيدة في مهب ريح لا تستطيع مقاومتها. ثم تلقيت تهديداً مباشراً بسبب موقفي الرافض لإلغاء البرنامج وإصراري على مواصلة النشاط الثقافي. عندها فقط فهمت أن المسألة لم تعد خلافاً حول برنامج أو جدارية أو ندوة، وأن البلد الذي استيقظ في الثلاثين من يونيو لم يكن هو البلد الذي نام في التاسع والعشرين منه.
مرت السنوات، لكن الذاكرة لم تغلق ذلك الباب. كلما عدت إلى تلك الأيام، عادت إليّ صورة الجدارية وهي معلقة على الحائط، ثم اليد التي امتدت إليها، ثم صوت الورق وهو يتمزق، ثم القصاصات الصغيرة التي سقطت على الأرض.
أحياناً أفكر أن ما حدث في قندتو كان نسخة مصغرة جداً من تاريخ السودان في العقود التالية؛ السياسة وهي تدخل إلى المجتمع من أضيق الأبواب، ثم تتحول الخلافات إلى اصطفافات، والاصطفافات إلى خصومات، والخصومات إلى خوف، ثم يأتي الخوف في النهاية ليغلق المساحات التي كان الناس يلتقون فيها.
لم تكن الجدارية، في الحقيقة، سوى ورقة، لكن الورقة كانت تحمل معنى المكان الذي سمح لنا أن نختلف. وعندما مُزقت، لم يُمزق رأي واحد فقط، بل مُزقت فكرة أن الاختلاف يمكن أن يعيش في المكان نفسه مع الآخر. وربما لهذا ظلت تلك الحادثة عالقة في ذاكرتي كل هذه السنوات؛ لأنها لم تعد تخص قندتو وحدها، ولا اتحاد شبابها، ولا أولئك الشباب الذين جلسوا ذات مساء لكتابة صحيفة حائطية، وإنما أصبحت، بالنسبة لي، صورة مبكرة للسودان الذي سنعرفه لاحقاً: وطن تتسع فيه المسافة بين الناس كلما ضاقت مساحة الحوار، وتصبح فيه الثقافة أول من يدفع ثمن الاستقطاب، ويجد العمل الأهلي نفسه مضطراً دائماً إلى تبرير حقه في الوجود. واليوم، بعد عقود من تلك الليلة، وبعد حرب أخرى أكلت المدن والبيوت وأخرجت الملايين من أماكنهم، تبدو لي تلك الجدارية الممزقة أكثر حضوراً من أي وقت مضى.
فالحرب لم تهدم المباني وحدها؛ هدمت أيضاً كثيراً من المساحات التي كان الناس يلتقون فيها، وأغلقت مدارس ومسارح وأندية ومراكز ثقافية، ودفعت الشباب إلى الشوارع ومعسكرات النزوح واللجوء، وأصبح الخوف جزءاً من الحياة اليومية. لذلك لا أستعيد قصة جدارية قندتو بوصفها حكاية شخصية عن خلاف سياسي قديم، وإنما بوصفها تذكيراً بأن المجتمع الذي يفقد مساحاته المدنية يصبح أكثر هشاشة أمام العنف والاستقطاب.
إن إعادة بناء السودان لن تبدأ من الخرسانة وحدها، ولا من الطرق والجسور والمؤسسات التي دمرتها الحرب، وإنما ستبدأ أيضاً من إعادة بناء تلك المساحات الصغيرة التي يستطيع فيها الناس أن يجلسوا معاً، ويتحدثوا، ويختلفوا، ويكتبوا على جدرانهم ما يريدون، من دون أن تمتد يد لتمزيق الورقة، أو يد أخرى لإسكات صاحبها.
ربما لهذا السبب ما زلت أتذكر الجدارية كما لو أنها لم تُمزق قبل سبعة وثلاثين عاماً. أتذكرها لأنها كانت صغيرة مثل حلمنا آنذاك، لكنها كانت تحمل شيئاً أكبر من حجمها؛ كانت تقول إن للكلمة مكاناً، وإن للشباب حقاً في أن يصنعوا فضاءهم، وإن الثقافة يمكن أن تكون جسراً حين تصبح السياسة جداراً.
لكن الجدار تمزق، والورقة سقطت، وانطفأت أضواء الأسبوع الثقافي، ومضى السودان إلى ثلاثين عاماً من الحكم الذي أعاد تشكيل الدولة والمجتمع، ثم إلى ثورة، ثم إلى حرب جديدة، وكأن البلد ظل منذ ذلك المساء يركض خلف القصاصة الأولى التي سقطت من الجدارية ولم يجدها.
وربما يكون الدرس الذي لم نستوعبه حتى الآن هو أن الوطن لا يبدأ حين يتفق الناس، وإنما يبدأ حين يتعلمون كيف يختلفون من دون أن يمزق أحدهم الورقة من يد الآخر. ففي بلد أنهكته الحروب والانقلابات والاستقطابات، لا نحتاج فقط إلى إسكات البنادق، بل نحتاج إلى إعادة تعليق الجداريات؛ إلى فتح الأندية، والمدارس، والمسارح، والمراكز الثقافية، وإحياء المبادرات الأهلية، وإعطاء الشباب والشابات حقهم في صناعة المجال العام. نحتاج إلى جدران تتسع لكل الآراء، لا إلى جدران تفصل السودانيين بعضهم عن بعض.
وربما، حين نعيد تعليق أول جدارية بعد كل هذا الخراب، علينا أن نتذكر جيداً تلك الورقة القديمة في قندتو؛ الورقة التي مزقها رجل في مساء من أمسيات يونيو 1989، ولم نكن نعرف وقتها أن صوت تمزقها كان، بطريقة ما، الصوت الأول لتمزق وطن كامل.
