تم النشر بتاريخ: ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ 13:45:52
تم التحديث: ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ 13:48:30

انهيارات مناجم الذهب في السودان.. استمرار مسلسل الموت

مواطنون
تتوالى حوادث انهيار مناجم الذهب في السودان خلال عام 2026، مخلفة عشرات القتلى والجرحى، في وقت يتسع فيه الاعتماد على التعدين الأهلي كمصدر للدخل وسط اقتصاد أنهكته الحرب وتراجع الزراعة وتدهور قيمة العملة المحلية.

أفادت وكالة الصحافة الفرنسية بمقتل 60 شخصًا على الأقل جراء انهيار منجم للذهب في السودان اليوم الأربعاء 16 سبتمبر 2026.

بينما يمثل الذهب أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للبلاد، يدفع عمال المناجم ثمن العمل في بيئة يصفها مراقبون بأنها تفتقر في كثير من المواقع إلى الحد الأدنى من شروط السلامة.

وكان أحد أكثر الحوادث دموية في يناير الماضي، عندما انهارت أجزاء من منجم الذهب «أم فقرون» في ولاية جنوب كردفان، ما أدى، وفق الشركة السودانية للموارد المعدنية، إلى مقتل 13 من عمال المناجم وإصابة ستة آخرين. ووقع الانهيار داخل خمس آبار مهجورة، وهو ما يكشف جانباً من المشكلة المرتبطة باستمرار العمل في مواقع سبق أن أُغلقت أو أصبحت غير آمنة.

في أبريل، وقع انهيار آخر في منطقة كليتي بمحلية قنب وأوليب في ولاية البحر الأحمر، داخل منجم يعمل بصورة غير رسمية، وأسفر عن مقتل ستة أشخاص، وفق مصادر محلية. وأعادت الحادثة إلى الواجهة المخاطر التي تواجه آلاف العاملين في التعدين الأهلي، حيث يعمل كثير منهم في مواقع تفتقر إلى الرقابة الهندسية وإجراءات الحماية الأساسية.

وفي يوليو، جاء حادث أكثر دموية في الولاية الشمالية، عندما انهار منجم «محمد توفيق» بمنطقة صمنه في محلية وادي حلفا، بالقرب من الحدود المصرية، أثناء وجود عمال داخله. وأعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية مقتل 15 منقباً وإصابة آخر. وأشارت تقارير إلى أن المنجم كان قد أُغلق في وقت سابق بسبب مخاطر تتعلق بالسلامة، قبل أن يعود عمال إلى الموقع لمواصلة استخراج الذهب.

بجمع هذه الحوادث الثلاثة الموثقة، يصل عدد القتلى إلى 34 شخصاً على الأقل، من دون احتساب ضحايا حوادث أخرى قد تكون وقعت في مواقع نائية ولم تصل تفاصيلها إلى وسائل الإعلام أو الجهات الرسمية. كما أن حادث يناير كان قد أسفر عن إصابة 12 شخصاً بحسب تقارير أولية، مع بقاء مصير عدد من العمال مجهولاً في الساعات الأولى التي أعقبت الانهيار.

وتكتسب هذه الأرقام دلالة أكبر بالنظر إلى طبيعة قطاع الذهب في السودان. فالتعدين الأهلي والصغير النطاق يمثل الجزء الأكبر من عمليات استخراج الذهب، بينما تنتشر آلاف المواقع في مناطق واسعة من البلاد. وتقول وكالة أسوشيتد برس إن هذا النوع من التعدين يجري في كثير من الأحيان خارج الأطر التنظيمية، مع ضعف تطبيق معايير السلامة، الأمر الذي يجعل انهيارات الآبار والأنفاق من المخاطر المتكررة التي يواجهها العمال.

ولا تقتصر المخاطر على الانهيارات وحدها. فعمال التعدين الأهلي يتعاملون كذلك مع مواد سامة، من بينها الزئبق المستخدم في فصل الذهب عن الخام، في ظروف تفتقر في كثير من الأحيان إلى وسائل الوقاية. وتشير تقارير صحفية إلى أن عمليات التعدين الصغيرة تنتشر في مناطق شاسعة من السودان، وأن عدداً كبيراً من العاملين فيها دخلوا هذا القطاع بعدما أغلقت الحرب أبواباً أخرى لكسب العيش، خصوصاً في الزراعة والتجارة.

وتشير بيانات رسمية أوردتها أسوشيتد برس إلى أن السودان أنتج نحو 70 طناً من الذهب خلال عام 2025، مقارنة بـ64 طناً في 2024، وحقق القطاع إيرادات قدرت بنحو 1.8 مليار دولار. ويأتي ذلك في بلد فقد جزءاً كبيراً من موارده النفطية بعد انفصال جنوب السودان، بينما أصبح الذهب خلال السنوات الأخيرة مصدراً مهماً للعملة الأجنبية والدخل.

لكن أهمية الذهب الاقتصادية تتزامن مع ظروف أمنية وسياسية بالغة التعقيد. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، أصبح التعدين جزءاً من اقتصاد الحرب، مع انتشار عمليات استخراج الذهب وتجارته في مناطق متباينة السيطرة، وتزايد الحديث عن تهريب الذهب خارج القنوات الرسمية. ووفق تقرير لوكالة أسوشيتد برس نقلاً عن خبراء، فإن استمرار الحرب وضعف مؤسسات الدولة ساهما في اتساع أنشطة التعدين غير المنظم وأضعفا قدرة السلطات على فرض معايير السلامة.

في هذا السياق، تبدو حوادث الانهيار المتكررة أكثر من مجرد حوادث مهنية منفصلة؛ فهي تكشف هشاشة قطاع يعتمد عليه آلاف السودانيين في توفير احتياجات أسرهم، في الوقت الذي تظل فيه الدولة بحاجة إلى عائداته. فإغلاق منجم خطر لا يعني بالضرورة توقف العمل فيه، كما أظهر حادث وادي حلفا، حيث عاد عمال إلى موقع كان قد أُغلق بسبب مخاطر السلامة.

ويصعب الوصول إلى حصيلة وطنية نهائية لضحايا انهيارات المناجم خلال عام 2026، بسبب اتساع الرقعة الجغرافية لمناطق التعدين، وضعف الوصول إلى بعض المناطق المتأثرة بالحرب، وعدم انتظام نشر البيانات الرسمية. لذلك فإن رقم 34 قتيلاً يمثل حصيلة للحوادث التي أمكن التحقق منها في المصادر المتاحة، وليس بالضرورة العدد الكامل للضحايا.

معرض الصور