تم النشر بتاريخ: ١٧ سبتمبر ٢٠٢٦ 14:57:57
تم التحديث: ١٧ سبتمبر ٢٠٢٦ 15:03:26

الصورة: مواطنون

 

 

الجنيه يترنح والأسواق تغلق أبوابها.. موجة غلاء جديدة تضرب السودانيين

مواطنون
عادت موجة الغلاء لتضرب الأسواق السودانية بقوة، في وقت يواصل فيه الجنيه السوداني فقدان قيمته أمام الدولار الأمريكي، ما يدفع التجار إلى إعادة تسعير السلع بصورة متكررة، بينما يجد المستهلكون أنفسهم أمام أسعار تتغير في غضون ساعات وأيام، في اقتصاد أنهكته الحرب وتراجع الإنتاج واضطراب سلاسل الإمداد وشح النقد الأجنبي.

وللمرة الثانية خلال أسبوع، شهدت أسواق شرق العاصمة الخرطوم موجة جديدة من الارتفاعات الحادة في أسعار السلع الأساسية، دفعت بعض التجار إلى إغلاق محلاتهم أو التوقف مؤقتاً عن البيع، خشية تكبد خسائر كبيرة إذا باعوا مخزونهم بالأسعار القديمة قبل معرفة تكلفة إعادة شرائه.

وفي سوق الوحدة الوطنية بمنطقة الحاج يوسف، شرق النيل، شهد القسم الغربي من السوق إغلاقاً جزئياً لمحلات الجملة، بينما امتنع عدد من التجار عن البيع بسبب الارتفاع المفاجئ في أسعار السكر والزيت والدقيق وسلع أساسية أخرى.

وقال التاجر "محمد"، الذي أغلق محله غربي سوق الوحدة، إن أسعار البضائع والسلع الاستهلاكية ارتفعت بصورة كبيرة، موضحاً أن البيع بالسعر القديم يعني خسارة مباشرة للتاجر. وأضاف: "لا يمكن أن أبيع بالسعر القديم، لأن قيمة شراء البضاعة ارتفعت عدة أضعاف. وإذا بعت بالسعر القديم فإنني سأضع جزءاً من رأسمالي في البضاعة الجديدة من دون أن أحقق ربحاً".

وتابع أن التاجر أصبح، في ظل هذه الظروف، "يعمل مجاناً من دون فوائد"، رغم أن لديه أسرة ومسؤوليات ونفقات يومية لا تتوقف.

ارتفاع الدولار يسبق موجة الأسعار
تأتي هذه التطورات في ظل أزمة أوسع في سوق النقد الأجنبي، إذ شهد الجنيه السوداني تراجعاً حاداً أمام الدولار خلال الأسابيع الأخيرة. وفي 5 سبتمبر، تجاوز سعر الدولار 7,300 جنيه سوداني في السوق الموازي، وفقاً لبيانات نقلتها "سودان تريبيون"، وسط تحذيرات من استمرار الضغوط على العملة المحلية.

ويأتي تراجع الجنيه في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، ما يجعل تغير سعر الدولار سريع الانعكاس على تكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج والنقل والخدمات.

كما رفعت السلطات في سبتمبر سعر الصرف المستخدم لأغراض الجمارك من 3,960.24 إلى 4,346.65 جنيهاً للدولار، بزيادة بلغت نحو 8.9%، وفق تقارير محلية، وهو ما يعني ارتفاع التكلفة الجمركية للسلع المستوردة. وكانت الجمارك السودانية قد أكدت في وقت سابق أن سعر التحصيل الجمركي كان 3,960.24 جنيهاً للدولار.

وبالنسبة للتجار، لا يقتصر أثر تراجع العملة على السلع المستوردة مباشرة، إذ تمتد آثاره إلى النقل والتخزين ومدخلات الإنتاج والتمويل، وهو ما يجعل ارتفاع سعر الدولار عاملاً ضاغطاً على قطاعات واسعة من الاقتصاد.

الصورة: مواطنون

 

 

السكر يقفز 100% خلال أيام
وفي سوق الوحدة، قفز سعر كيلو السكر من نحو 5 آلاف جنيه إلى 10 آلاف جنيه، بزيادة بلغت 100% خلال ثلاثة أيام فقط، بحسب إفادات متعاملين في السوق.

كما ارتفع سعر عبوة الزيت الصغيرة من نحو 13 ألف جنيه إلى 20 ألف جنيه، مع توقعات بزيادات إضافية، بينما ظل سعر الدقيق مستقراً نسبياً، وسط مخاوف من ارتفاعه في أي لحظة.

وقال المواطن "مجدي. م" إن أحد التجار الذين يتعامل معهم رفض بيع جوال سكر زنة 10 كيلوغرامات بالسعر السابق، قبل أن يتراجع عن موقفه بعد أن شرح له حاجته الماسة للسلعة. وأضاف أن الجوال بيع له مقابل 100 ألف جنيه، أي ما يعادل 10 آلاف جنيه للكيلوغرام.

لا تبدو هذه الارتفاعات منفصلة عن أزمة الاقتصاد الكلي في السودان، الذي تعرض منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 لانكماش واسع في النشاط الاقتصادي والإنتاجي. ووفق البنك الدولي، انكمش الناتج المحلي الحقيقي بنحو 29.4% في 2023 وبنسبة إضافية بلغت 14% في 2024، نتيجة تدمير قطاعات إنتاجية وتعطيل التجارة والخدمات والزراعة وسلاسل الإمداد.

كما ارتفع التضخم السنوي إلى 170% في 2024، مدفوعاً بصورة رئيسية باضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف الغذاء والنقل والسكن، قبل أن يتراجع إلى 78.4% في يوليو 2025، لكنه ظل عند مستويات مرتفعة تضغط بشدة على الأسر السودانية.

التجار يخزنون بضائعهم
ومع توقعات بمزيد من الارتفاع، بدأت تظهر ظاهرة أخرى في الأسواق، تتمثل في سحب بعض التجار بضائعهم من المحلات وإعادتها إلى المخازن، انتظاراً لاتضاح اتجاهات الأسعار الجديدة.

وقال المواطن "علي"، وهو صاحب محل تجزئة في منطقة التكامل، إنه شاهد عدداً من مركبات "التوك توك" تنقل جوالات السكر والدقيق من المحلات التجارية إلى المخازن داخل المربعات السكنية المجاورة للسوق.

وأوضح أنه جاء إلى السوق لشراء بعض البضائع، لكنه وجد أحد التجار الذين يتعامل معهم قد أغلق محله، واضطر إلى شراء احتياجاته من تاجر آخر بسعر أعلى.

وتعكس هذه الظاهرة حالة من عدم اليقين في السوق، إذ يخشى التاجر أن يؤدي بيع المخزون الحالي إلى عدم قدرته على شراء الكميات نفسها عند إعادة التجديد، بينما يخشى المستهلك أن يؤدي الانتظار إلى شراء السلعة بسعر أعلى.

اقتصاد الحرب يضاعف الأزمة
ولا تقف الأزمة عند حدود سعر الصرف، إذ تتداخل فيها مجموعة من العوامل، بينها تراجع الإنتاج المحلي، تعطل طرق التجارة، ارتفاع تكاليف النقل، نقص السيولة، ضعف القدرة الشرائية، وتراجع الإيرادات العامة للدولة.

ويرى البنك الدولي أن الحرب ألحقت أضراراً واسعة بالبنية الإنتاجية والاقتصاد السوداني، وأدت إلى اضطراب الزراعة والخدمات والتجارة، فيما انخفضت إيرادات الحكومة من نحو 10% من الناتج المحلي في 2022 إلى أقل من 5% في 2024-2025، ما قلص قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية.

وفي الوقت نفسه، أصبحت أزمة الغذاء أكثر حدة مع استمرار الحرب والنزوح وتراجع الإنتاج. وقال برنامج الأغذية العالمي، في سبتمبر 2026، إن نحو 20 مليون شخص في السودان يواجهون الجوع، في وقت أدت فيه الحرب إلى نزوح نحو 14 مليون شخص وتضرر الاقتصاد بصورة شديدة.

المواطن خارج معادلة السوق
في مقابل هذه التطورات، يجد المواطن نفسه الحلقة الأضعف في سلسلة الأسعار. فبينما يستطيع التاجر رفع سعر السلعة لمواجهة تكلفة إعادة الشراء، لا يملك الموظف أو العامل أو صاحب الدخل المحدود الوسيلة نفسها لتعويض تراجع قيمة دخله.

وأدى ذلك إلى تراجع حركة الشراء في سوق الوحدة، حيث أصبح كثير من المواطنين يكتفون بشراء الضروريات، بينما يفضّل آخرون البقاء في منازلهم أو تأجيل مشترياتهم إلى حين استقرار الأسعار.

ويقول متعاملون في السوق إن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع سعر سلعة بعينها، وإنما أصبحت مرتبطة بعدم القدرة على التنبؤ بسعرها في اليوم التالي.

وبذلك يتحول انهيار سعر الصرف من أزمة نقدية ومالية إلى أزمة معيشية يومية، تبدأ بالدولار وتنتهي عند سلة الغذاء؛ فكل تراجع في قيمة الجنيه يرفع تكلفة الاستيراد، وكل ارتفاع في التكلفة ينعكس على التاجر، ثم ينتقل إلى المستهلك، بينما تتآكل القوة الشرائية للدخول والأجور.

وفي ظل استمرار الحرب وتراجع الإنتاج وشح النقد الأجنبي، تبدو الأسواق السودانية عالقة في دائرة يصعب كسرها، جنيه أضعف، وتكلفة استيراد أعلى، وأسعار أكثر ارتفاعاً، وقدرة شرائية أقل، وتجارة أكثر حذراً.

ومع استمرار هذه الحلقة، لا يصبح إغلاق المتاجر أو الامتناع عن البيع مجرد سلوك تجاري مؤقت، بل مؤشراً على أزمة أعمق في الاقتصاد، تهدد قدرة السوق نفسه على الاستمرار في توفير السلع للمواطنين بأسعار يمكنهم تحملها.

معرض الصور