تم التحديث: ١٨ سبتمبر ٢٠٢٦ 21:44:45

UNDP Sudan
وزارة التجارة: الواقع المر وأشواق الإصلاح
جمال الدين محمد صالح
تمهيد
تنبع أهمية وزارة التجارة من أن الاقتصاد هو عصب الحياة، والإنتاج هو قاعدة الإقتصاد و الأساس الذي يشاد عليه البنيان الإقتصادي. فقوة الاقتصاد تعتمد علي متانة القاعدة. بينما التجارة ـ وأعني بها النشاط التجاري ـ هي القاطرة التي تحرك الإنتاج. أما وزارة التجارة فهي ربان السفينة وقائد القاطرة ة. هي القائد المعني بتتبع بوصلة الإتجاه، تحديد المسارات، التحكم في السرعات ومعالجة الأعطاب لضمان سلامة الوصول.
إن قيادة القاطرة ببراعة واحترافية يضمن تجنب مخاطر الطريق وتحقيق مقاصد الرحلة. يبدو ذلك جليا في مسيرة الوزارة. فحينما كان للوزارة حضور فعال في إدارة وتوجيه النشاط التجاري، شهد الإقتصاد السوداني طفرات ملحوظة. ولكن حينما عجز الربان أو القائد عن القيام بمهامه الوظيفية، اضطربت قاطرة التجارة، وجنحت عن المسار، مخلفة أضرارا بالغة في جسد الإقتصاد السوداني. ولنستبين ما آلت إليه التجارة جراء ذلك الجنوح، دعونا نعود إلى الوراء لنرى كيف كانت الوزارة و ماذا جري عليها بعد ذلك.
كانت الوزارة تدير النشاط التجاري بشقيه الصادر والوارد بشكل مخطط ومدروس. فقد كانت هي معنية بتنمية وتطوير الصادرات. فكانت تضع السياسات والضوابط الرامية الي ترويج المنتجات الوطنية، وزيادة قدرتها التنافسية، ومن ثم زيادة حجم الصادرات بهدف تعظيم عائداتها. ولتحقيق تلك الأهداف، كان لدى الوزارة العديد من المؤسسات ذات الخبرات التراكمية العالية في مجال الصادر، وهي آليات الوزارة في إدارة التجارة الخارجية.
من تلك المؤسسات كانت المؤسسة العامة لتجارة القطن، وهى الجهة المنوط بها تنظيم سوق القطن، تسويق الإنتاج وتحديد سعر التركيز لحماية المنتجين. هذا إلى بجانب توفير مدخلات الإنتاج. كذلك كانت شركة الصمغ العربي. وهي الشركة المعنية بتنظيم سلعة الصمغ من حيث الإنتاج والتسويق لتعظيم عائداته وحماية المنتجين وتنمية وتطوير القطاع. وفي مجال الحبوب الزيتية كانت توجد شركة السودان للحبوب الزيتية وهي المصدّر الرئيس للحبوب الزيتية، وهي آلية الوزارة لتنظيم سوق الحبوب الزيتية وتنمية وتطوير القطاع وحماية المنتجين. إلي جانب ذلك كانت توجد المؤسسة العامة لتسويق الماشية واللحوم. وهي الجهة المعنية بتنمية وتطوير قطاع الماشية واللحوم في السودان وتوفير الخدمات اللازمة له من مياه شرب وتأمين الطرق، فضلآ عن دورها الرئيس المتمثل في تسويق الماشية السودانية وتنظيم السوق الخارجي لها.
أما في مجال الإستيراد فكانت الوزارة تخطط للواردات بما يخدم الأهداف العامة للدولة. فكانت تحدد بشكل واعٍ ماذا يدخل البلاد وكم يدخل وكيف يدخل ومتى يدخل. ذلك لأن بعض الواردات كان يحظر استيرادها في مواسم الإنتاج. لذلك كانت سياسة الإستيراد تصمم لخدمة الأهداف الاقتصادية للدولة. ولتنفيذ تلك المهام، كان لدى الوزارة العديد من المؤسسات التي تعمل في مجال الاستيراد لكسر إحتكار القطاع الخاص بتوفير سوق بديلة للسلع الاستهلاكية. ومن بين تلك المؤسسات كانت شركة الجزيرة للتجارة والخدمات، كوبتريد، الخرطوم وشركة كردفان الهندسية، فضلا عن شركة البحر الأحمر.
وإلي جانب تلك الشركات، كانت الوزارة تدير القطاع التعاوني، وهو أحد أهم القطاعات بالبلاد. يضم القطاع جمعيات تعاونية قاعدية وإتحادات محلية وقومية. كما يمتلك القطاع العديد من المؤسسات التي تعمل في مجال الإستيراد والتوزيع. إضافة إلي مؤسسة مصرفية تعاونية عريقة كانت تقوم بتمويل أنشطة القطاع التعاوني.
عن طريق هذه الأجهزة كانت الوزارة تقوم بواجباتها ولم يكن معاش الناس وصحة وسلامة المستهلك مجرد شعارات ترفع، بل كانت أحد أهم هموم وإهتمامات الوزارة ومسؤليتها تجاه الوطن والمواطن. فكانت الوزارة معنية بتأمين السلع الاستهلاكية وضبط الأسعار خدمة للمواطنين. فقد كانت إدارة ضبط الجودة وهي إحدى مكونات الوزارة العين الساهرة لضمان الجودة وصحة المواطنين. كما لم يكن الإستقرار الإقتصادي ورفاهية المواطنين يتحققان بالأماني والوعود الجوفاء، بل كانت تتحقق باستشعار المسؤولية والعمل الدؤوب والتخطيط العقلاني السليم. تلك كانت وزارة التجارة في شروقها وعهدها الزاهر، عندما كانت التجارة مصدرا للخير وسبيلا للرفاهية والنعيم. لقد كان الاقتصاد ينمو بإستمرار، وكان الإنتاج ينتعش وكانت الحياة تذدهر وكان المنتج ينعم بإنتاجه. لذلك كان الجنيه السوداني ـ و هو مؤشر قوة أو ضعف الإقتصاد ـ طويل القامة، عريض المنكبين، غير "ملتحي" وكث الشوارب، بهي الطلعة جهور الصوت غير منحنٍ. وكان يجلس القرفصاء ليعانقه الدولار. وكان الدولار و هو منتصب على قامته لا يربت علي كتف الجنيه إلا بصعوبة! فماذا جرى بعد ذلك؟!
fao-org
الواقع المر
إن ما جرى للإقتصاد السوداني كان زلزالا مدمرا أعقبه بركان هائل. وكعادة الزلازل فإنها تخلف شقوقا وتصدعات وأخاديد عميقة، بينما تفجر البراكين حمما بركانية حارقة. لقد خلف الزلزال آثارا عميقة في بنية الإقتصاد السوداني، ظلت تلازمة كعاهات مستديمة. ولتهيئة النفوس لتتجاوز صدمة الزلزال فقد اقتضئ ذلك الإستعانة ببعض الملطفات فاطلق عليه (تحرير اقتصادي). صاحب ذلك إجراء بعض الجراحات التجميلية لازالة الأورام والطفح الذي ظهر على جسد الإقتصاد. فتم إنشاء صندوق التكافل وبعض المسكنات للتخفيف من وطأة الحرائق التي أشعلها بركان التحرير. و هكذا جاءت سياسة التحرير الإقتصادي ـ الاسم الحركي لذلك الزلزال ـ كزلزال مدمر للبنيان الإقتصادي وكبركان ملتهب شوه كل مكونات المجتمع.
لم تكن سياسة التحرير الإقتصادي التي تم الإعلان عنها في فبراير 92 من القرن الماضي مجرد سياسات اقتصادية فاشلة، أو قرارات إدارية غير موفقة ـ لو كان الحال كذلك لهان الأمر ـ بل كانت تلك السياسات حملة إنتقامية لهدم وتدمير كل ماهو مميز، وتشويه لكل ما هو جميل. لقد طال الهدم مؤسسات الوزارة الواحدة تلو الأخرى. فقد تم حل المؤسسة العامة لتسويق الماشية واللحوم وكلٍ من شركتي كوبتريد والجزيرة. بينما تم شل قدرات شركة السودان للحبوب الزيتية، شركة الصمغ العربي، المؤسسة العامة لتجارة القطن، شركة البحر الأحمر، شركة الخرطوم وشركة كردفان. فأصبحت تلك الشركات مجرد هياكل بالية. إلّا أن ما حاق بالحركة التعاونية كان أنكي وأمر. إن ما جرى للقطاع التعاوني جراء التحرير كان بمثابة حريق هائل قضي على كل إنجازات الحركة التعاونية في السودان. فقد تم حل جميع مؤسسات الحركة التعاونية في فاجعة أشبه بمذبحة. تلك كانت تداعيات التحرير الإقتصادي علي مؤسسات الوزارة تمهيدا لهيمنة القطاع الخاص على الإقتصاد الوطني والعبث بثروات البلاد.
خلاصة القول إن ما نعيشه اليوم من بؤس إقتصادي وإجتماعي ليس وليد الصدفة أو جريمة ضد مجهول. بل هو الثمار المرة لغرس التحرير الإقتصادي المشؤوم. لقد ضرب زلزال التحرير كل البِنى الإقتصادية الراسخة فتهاوت وتساقطت. فبخروج شركة السودان للحبوب الزيتية وهي المصدّر الرئيس للحبوب الزيتية، أصبح منتجو الحبوب الزيتية تحت رحمة القطاع الخاص الذي درج على إستغلال المنتجين والتلاعب بالأسعار ليصبح المنتج هو الضحية. كما فقد السودان معظم الأسواق الخارجية بسبب غياب التوجيه والتنظيم. يتكرر ذات المشهد في سلعة الصمغ العربي ويمارس ذات الإستغلال على منتجي الصمغ بعد خروج الشركة من سوق الصمغ بعد أن كانت هي المنظمة لتجارة الصمغ في السودان. وبخروجها فقد السودان السيطرة والتحكم في إنتاج الصمغ ليتفشي التهريب وكل الظواهر السالبة. كذلك خرجت المؤسسة العامة لتجارة القطن بعد الدور الكبير الذي كانت تقوم به. وبخروجها فقدت البلاد السيطرة علي إنتاج وتسويق القطن، وتهاوت الأسعار لينعكس ذلك سلبا علي الإنتاج والمنتجين الذين بلغ بهم الحال استجداء الحكومة لشراء القطن في ظل الغياب التام لوزارة المالية. كذلك فقدت البلاد المؤسسة العامة لتسويق الماشية واللحوم التي تم حلها تزامنا مع إعلان سياسة التحرير. وبحل هذه المؤسسة عجزنا عن تقديم الخدمات الضرورية لصادر المواشي واللحوم، كما فقدنا الرؤية المهنية الموحدة للتسويق الخارجي. فانهارت أسواقنا التقليدية وفقدت البلاد موارد نقدية هائلة. هكذا تدهورت مؤسسات الوزارة بعد الدور الكبير الذي كانت تؤديه في الإقتصاد الوطني.
ولما كان مركز الزلزال في وزارة التجارة، فقد تهاوت معاول الهدم علي رأس الوزارة فقضت على كل قدارتها في التخطيط و التنظيم، حيث تم تحييد دورها كجهة فاعلة في النشاط الإقتصادي فاصابها الضعف والوهن حتي غدت مجرد هيكل خاوٍ ودخلت في حالة غيبوبة حتى غدت لا تعلم ما يجري خارجها. فهي لا تعلم ماذا دخل البلاد من الواردات وكيف دخل، وماذا خرج منها من صادرات وكيف خرج! هكذا افتقدنا ربان السفينة وقائد القاطرة القدير فجنحت واضطرب سيرها فاهدرت ثرواتنا، واستبيحت مواردنا حتي أصبحت مواردنا (تركة مجهولة الوريث). حينها لم يعد التهريب سلوك شاذ، وممارسة منبوذة، بل أصبح هو النشاط الرسمي، سواء تهريب السلع النقدية عبر الحدود أو تجنيب حصائل الصادر خارج البلاد. لذلك تقلص الميزان التجاري حتي أصبح أضحوكة ومثال صارخ للعبث. هنا أتحدث عن صادراتنا النقدية من السلع الزراعية والحيوانية، وليس عن الذهب السوداني الذي هو قصة تدمي القلب وتثير الاشجان وتحيي المواجع.
إن من المفارقات المحزنة في السودان، أننا نسترجع تجاربنا الماضية في الفشل لا بنية أخذ العظات والعبر لتصحيح المسار وتجنب أخطاء الماضي ولكن لإعادة إنتاج تلك التجارب الفاشلة وتعميق المأساة!!
إن ما يجري في قطاع التعدين الآن هو تطوير لتجربة سابقة مؤلمة في إنتاج البترول. لقد سمعنا بالبترول في السودان كما نسمع بحكاوي الحبوبات في الاحاجي السودانية من شاكلة: كان يا ما كان في قديم الزمان بترول في السودان، والبترول خطفه الزرزور والزرزور طار ووقع بين سبعة بحور. هكذا إنتهت قصة البترول في السودان في عالم المجهول بإنتهاء قصة الزرزور الذي طار و وقع بين سبعة بحور!
لقد بدأ مشروع البترول في السودان واستمر حتى أسدل عليه الستار ووزارة التجارة لم تعلم أصل الحكاية. إنها لم تعلم كم انتجنا من البترول وكم صدرنا منه وكم كانت عائدات التصدير وفيم انفقت حتي طويت صفحة البترول كما تطوى صفحات الروايات البوليسية الغامضة. مع أن كل الذي جرى هو من صميم إختصاص الوزارة. إلا أن المحزن أن الماساة لم تنته. فها نحن نستدعي تلك التجربة المؤلمة في الفشل لنعيد تدويرها وتطويرها في تجربة أكثر بشاعة. إنها تجربة إنتاج الذهب. إن ما يجري في قطاع التعدين الآن هو ليس بتعدين او تنقيب، بل هو "غارة" على موارد البلاد النفيسة وما من دولة راشدة تفعل بثرواتها مثلما نفعل، وما من دولة محترمة تسمح بذلك المستوى الرديء من العبث.
إن الثروات المعدنية هي من الموارد الناضبة وغير المتجددة وهي ملك كل الأجيال الحاضرة والقادمة. لذلك فمن عدم المسؤولية هدر تلك الموارد بهذا المستوي من العبث، ومن عدم الرشد إستغلال تلك الثروات بهذا المستوي من الطيش. لذلك سوف لن أتحدث عن الذهب! ولكن دونكم هذه الأرقام:
- بلغت تقديرات الإنتاج السنوي من الذهب وفقا للإحصاءات الرسمية للحكومة والتي بلغت ذروتها في العام 2017 حيث كان الإنتاج 107 طنا بينما بلغ حجم الصادر الرسمي لذلك العام 34 طنا بفاقد بلغ 70 طنا. بينما تفيد تقديرات الخبراء المختصين أن الإنتاج السنوي الفعلي يبلغ 240 طنا. تلك هي وزارة التجارة في غروبها و واقعها المر.
أشواق الإصلاح
نتيجة للتخريب والتدمير الذي طال المؤسسات الإقتصادية، ولضراوة المأساة و البؤس الذي تعيشه البلاد الآن، تتعالى الأصوات المنادية بالاصلاح. وفي مثل هذه الظروف يصبح الإصلاح ضرورة ملحة. ولكن قبل طرق دروب الإصلاح، دعونا نتحسس مواطيء أقدامنا, ونتبين خطانا، لنستوثق من حقيقة رغبتنا في الإصلاح نفسه. فهل لدينا الرغبة وإرادة حقيقية للإصلاح؟ وهل نرغب بالفعل في دعم مسيرة الإصلاح؟ وهل نحن مستعدون لتحمل تبعات الإصلاح حتي وإن تقاطعت مع مصالحنا؟ فإن كان ذلك كذلك، فهل نحن متفقون علي معنى مجردا لمفهوم الفساد ودلالات الإصلاح، حتي لا نتوه في متاهات شروح "المذاهب" الفقهية، وتاويلات "المدارس" الفكرية التي لم تتفق بعد علي معنىً للفساد في زمن النكد!!
إن الشواهد تضعف ثقتنا في تلك الرغبة، وإن في التجارب عظات وعبر. فقد سبق أن تم تكليفنا في زمن مضى بوضع سياسة للتجارة الخارجية علي هيئة ضوابط تنظم حركة الصادر والوارد. وقد كان ذلك التكليف إنفاذا لتوجيهات عليا. وكما تعلمون فإن الصادرات والواردات هما عمادا الإقتصاد.
علي هدي تلك المقاصد النبيلة، شرعنا في إعداد ضوابط للصادر والوارد، استهدفنا فيها حماية صادراتنا من الهدر، وترشيد وارداتنا بما يحقق مصلحة الوطن وسلامة المواطن. وتحقيقا لتلك الأهداف فقد اعددنا ضوابط اشترطنا فيها العديد من الشروط المهنية والفنية والصحية بما يضمن سلامة النشاط التجاري ويحمي الوطن والمواطن. لقد أعددنا تلك الضوابط آملين إنفاذها على الفور وكلنا ثقة في أنها تمثل الخطوة الأولى في مشوار الإصلاح. ولكن هل تعلمون أين هي تلك الضوابط الآن؟ وهل يذكر المعنيون تلك التوجيهات المتلاحقة، والملاحقات المتكررة التي تأمرنا بتعجيل مشروع الإصلاح؟ و هل يذكرون كيف كنا نصل الليل بالنهار والنهار بالليل في سبيل إنجاز تلك الضوابط وإخراجها بما ينفع وطننا وامتنا؟ بل هل مازالوا يذكرون أنه كانت هناك دعوة للإصلاح؟ فلماذا وأدتموها وأنتم تعلمون؟ هل كانت الدعوة للإصلاح آنذاك قناعة راسخة أم كانت مجرد نزوة عابرة؟ هل ضقتم ذرعا بالإصلاح أم كنت وحدي أغرد في السرب؟ أليس من العجيب بعد كل ذلك الجهد أن تطرح الضوابط في سلة المهملات ويطويها النسيان؟!
أما ملف الفساد فأمره أعجب! انفاذاً لتوجيهات عليا أكثر تشدداً وصرامة في محاربة الفساد، شرعنا في تتبع آثار الفساد والتنقيب في جحور المفسدين. فأعددنا ملفات تضج بالشواهد و بالبينات. لم يكن حينها يدفعنا ثأر نبتغيه و لا شخص نسعى لنرتضيه. بل كان الواجب والمسؤولية وحق الوطن علينا. فقدمنا تلك الملفات معضضة بالبينات لتسهيل مجري العدالة. ولكن هل تعلمون ما جري بعد ذلك؟! دعكم عمّا جري. ولكن هل تعلمون أن تلك الملفات التي مضى عليها أكثر من عامين لم تزل حبيسة الأدراج؟! فهل أسأنا الظن أم أخطأنا التقدير فلم نصب الفساد؟ ، فإن كان الحال كذلك فبالله عليكم قولوا لنا: أي الفساد كنتم تعنون؟؟؟
الإصلاح ـ كيف؟
في الختام لا أود الحديث عن خيارات الخروج من هذا الواقع الأليم. فذاك ما نسعى لعرضه في إصدارة قادمة بعنوان: (طريق الخلاص). وما نود ذكره في هذا الصدد أن الحال الذي نعيشه الآن لا يصلُح الا بما صلُح به أوله، وهو أن نعيد للتعاون مجده الموؤود وسيرته الأولى. و أعني بذلك التعاون بشقيه الإنتاجي والإستهلاكي. فالتعاون الإنتاجي هو قارب النجاة وسبيل الوصول إلى بر الأمان. كذلك من سبل النجاة تمكين المنتجين من إنتاجهم بعد أن تحول الإنتاج الزراعي إلى شكل من أشكال السخرة، حيث يضارب السماسرة والمرابون في جهد وعرق المنتجين البؤساء. حتى أصبحنا دولة تعاقب المنتجين لأنهم أنتجوا وتكرم السماسرة والمرابين لأنهم رابوا. إلا ان هذا التمكين لايتحقق إلا بالعودة للتعاون. لذلك لم يعد التعاون في هذا الظرف العصيب الذي نعيشه مجرد خيار أو بديل من البدائل، بل ضرورة حتمية وصمام أمان من الإنهيار. فالناس بخير ما تعاونوا. ذلك قول رسولنا الكريم. وليس ذلك بعسير.
كما نعتقد أن أيّ مشروع إصلاحي لواقعنا المأزوم لابد له أن يبدأ بوزارة التجارة. فوزارة التجارة هي المورد الذي يستقي منه الناس إذا صلحت، وهي القمقم الذي تنطلق منه العفاريت إذا فسدت.
علي الرغم من الضعف البائن عليها بفعل تكالب اللصوص. ومع كل ذلك فإن البحث عن مخارج وحلول لهذا المصاب الأليم خارج وزارة التجارة هو إمعان في التيه و الضلال.
الا هل بلغت؟ اللهم فاشهد


