تم التحديث: ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ 16:15:36

قراءة إنسانوية لتصريحات مسؤولين في المنظمات الأممية لأزمة السودان
د. صلاح الأمين
بعد زيارته مؤخرا لمناطق سيطرة الجيش ومناطق سيطرة الدعم السريع مؤخراً، حذر كارل سكاو، القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، من أن السودان يواجه أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم مع معاناة نحو 20 مليون شخص من الجوع الحاد.
وكانت أبرز تصريحات المسؤول الأممي الرفيع التي تبرز مؤشرات الأزمة الإنسانية، " يعاني قرابة 14 مليون شخص من النزوح، ويواجه نحو 5 ملايين شخص مستويات طوارئ من الجوع، بينما يعيش حوالي 200 ألف شخص ظروفا كارثية تصل إلى حد المجاعة".
كما تبرز عقبة التمويل حيث "انخفض تمويل البرنامج المخصص للسودان بنحو النصف هذا العام (ليصل إلى 206 ملايين دولار مقارنة بـ 645 مليون دولار العام الماضي)، مما يجبر المنظمة على تقليص المساعدات أو تقديم أنصاف حصص غذائية كما يحدث في "طويلة" بشمال دارفور".
وفي مؤشر القدرة مقابل الموارد، أكد المسؤول الأممي أن الوكالة تمتلك القدرة والوصول الميداني لمساعدة الملايين، لكن نقص التمويل الحاد يعرقل الاستفادة الكاملة من هذا الوجود على الأرض.
ولم يغب تفاقم العوامل المناخية عن حديثه، إذ أشار إلى وجود جفاف غير مسبوق في دارفور منذ عقود يهدد الموسم الزراعي والثروة الحيوانية إلى جانب تداعيات الحرب المستمرة.
وشدد على ضرورة تحرك المجتمع الدولي وإحداث ضغط واستثمار سياسي جاد لإنهاء النزاع مع انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة..
وأيضا هناك تقارير وبيانات صادرة عن بعض المنظمات الأممية الاخرى تشير الى تدهوراً متسارعاً وحاداً في الأوضاع الإنسانية داخل مناطق النزاع في السودان ومنها الفاشر التي واجهت المدينة سابقا حصاراً خانقاً واشتباكات مستمرة، مما أدى إلى تأكيد وجود حالة مجاعة معلنة رسمياً في بعض المواقع المحيطة بها مثل مخيم زمزم للنازحين ومخيم أبو شوك حيث تعاني هذه المناطق من نقص حاد وشبه كامل في السلع الأساسية والمكملات الغذائية للأطفال.
وكذلك مدينة الأبيض التي تعتبر من جبهات القتال الساخنة، مما تسبب في فرض قيود مشددة على حركة الشاحنات التجارية والإغاثية. هذا الحصار أدى إلى تضاعف أسعار السلع، وصعوبة بالغة في إيصال إمدادات المياه والخدمات الطبية لآلاف العائلات المحاصرة.
وحذرت المنظمة الدولية للهجرة (IOM) والوكالات الأخرى من الانهيار الكامل المنظومة الإنسانية بأكملها في السودان خلال أسابيع قليلة نتيجة العجز المالي الحاد وايضا نفاد المخزون الإغاثي حيث تشير إحصاءات المنظمة نفسها إلى احتمالية نفاد مخزون مواد الإيواء الطارئة، ومستلزمات المياه والصرف الصحي بنهاية شهر سبتمبر الحالي.
وحسب هذه المنظمات فأن أرقام النزوح الإجمالية: تجاوزت حاجز 8.6 مليون شخص، يضاف إليهم ملايين آخرون فروا كلاجئين إلى دول الجوار مثل تشاد وجنوب السودان ومصر ويوغندا مما يضع ضغوطاً هائلة على الموارد المحلية لتلك المجتمعات.
وهناك عوامل مزدوجة اخرى حيث تواجه الوكالات الإغاثية صعوبات لوجستية كبيرة ليس فقط بسبب النزاع فقط ، بل ايضا نتيجة للأمطار الغزيرة والفيضانات التي دمرت ملايين الملاجئ المؤقتة وزادت من مخاطر تفشي الأوبئة والأمراض المنقولة عبر المياه الملوثة .
مما سبق نلاحظ أنه وحسب تقارير منظمة الأغذية العالمية ومنظمات أخرى ، فإن المستقبل القريب جدا للوضع الإنساني في السودان قاتم جدا ، خاصة فانه في حال لم يتدخل المجتمع الإنساني الدولي او لم نصل لهدنة إنسانية لإيصال المساعدات الانسانية وحماية المدنيين فان منظومة إيصال المساعدات ستتدمر وتغلق تماما ، ويصعب إعادة بنائها من جديد بنفس الكفاءة الني كانت عليها.
وهذا يدق جرس الانذار لكل سلاسل الأمداد، التي تبدأ بالممولين وتنتهي بتوصيل المساعدات للمستفيدين في الأرض. فحسب إفادات سابقة فإن عدد الممولين قد تناقص من 20 ممول إلى 16 ممول والتناقص قابل لان يواصل في تناقصه.
بعض المنظمات التي لازالت عاملة على الارض ولديها بعض التمويل، أصبحت تختار أكثر المستفيدين حوجة وأكثر المناطق حوجة وتقدم لهم المساعدات القليلة المتاحة وتترك الباقيين .
الانهيار في المنظومة الإنسانية يمكن ايضا ان يقرأ مع تدهور قيمة الجنيه المتسارعة جدا وزيادة سعر سلة الغذاء إلى أرقام خرافية (زادت 22%) وكذلك زيادة اسعار الوقود عالميا بفعل إغلاق مضيق هرمز وايضا زيادة اسعار مدخلات الإنتاج الزراعي وشح الأمطار وغياب التمويل مما يهدد فشل الموسم الزراعي.
ففي هذا العام تراجع الإنتاج الزراعي بنسبة 40% والإنتاج الصناعي بنسبة 70% وارتفع سعر الذرة الرفيعة (غذاء غالبية الشعوب السودانية ) بنسبة 23% ودقيق القمح بنسبة 27%. اضافة إلى أن قطاع الثروة الحيوانية قد تأثر بشكل مباشر في ظل شح الأمطار وغياب اللقاحات والعناية البيطرية وترك الرعاة الشباب لمراعيهم لصالح الانضمام لحاملي السلاح او التعدين الاهلي أو السفر عبر القوارب إلى أوربا.
هناك ايضا نفاذ مخزون الإيواء والصرف الصحي والمياه وهذا سيؤدي إلى تفشي الأمراض...
إذن ما العمل ؟
اولا :ضرورة الحفاظ على المساحة التشغيلية الحالية والعمل على عدم انهيارها لأنو استعادتها من جديد ستكون صعبة جدا ..
ثانيا :التواصل المباشر لحث المانحين الدوليين بالقيام بواجبهم تجاه المدنيين المتأثرين بالحرب ...
ثالثا : أن تكون أجندة العمل الإنساني والحماية في رأس كل مجهودات انهاء الحرب ..
وقبل كل هذا أن يبتدع السودانيين المبادرات الخلاقة لإغاثة وحماية أهلهم..
الأزمة الإنسانية في السودان أزمة إنسانية مركبة لا تحل بأدوات الإغاثة التقليدية فلكي نقاربها بالضرورة نفكك الطبقات المتشابكة المكونة لها :
طبقة العنف المسلح .
الجغرافية العسكرية .
الانهيار الإداري.
الجوع الممتد.
الانقسامات المجتمعية.
التداخل الإقليمي والدولي.

