تم النشر بتاريخ: ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦ 16:01:27
تم التحديث: ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦ 16:03:56

الصورة: موقع برنامج الغذاء العالمي

تقلّص المساعدات يوسّع دائرة الجوع في السودان

مواطنون – تقرير إخباري
من الفاشر إلى طويلة، ومن السودان إلى دول الجوار، تتسع تداعيات الحرب مع تراجع التمويل الإنساني، فيما يواجه ملايين النازحين واللاجئين خطر الحصول على كميات أقل من الغذاء في واحدة من أكبر أزمات الجوع في العالم.

وتفصل نحو 75 كيلومتراً من الأراضي شبه الصحراوية بين مدينة الفاشر وبلدة طويلة في شمال دارفور، وهي مسافة محفوفة بالمخاطر قطعها مئات الآلاف من المدنيين الفارين من الحرب في غرب السودان بحثاً عن الأمان والغذاء.

لكن النازحين الذين تجمعوا في طويلة يواجهون الآن تهديداً جديداً يتمثل في تقلص المساعدات الغذائية، خصوصاً مع خفض التمويل الموجه إلى برنامج الأغذية العالمي وغيره من المنظمات الإنسانية.

وخلال زيارة استمرت ثمانية أيام وشملت الخرطوم والأبيض والفاشر وطويلة، قال المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي، كارل سكاو، إن الوضع الإنساني في السودان "خطير للغاية"، داعياً المجتمع الدولي إلى زيادة التمويل والاستجابة لحجم الأزمة.

وقال سكاو إن البرنامج "يبذل قصارى جهده على صعيد الغذاء"، لكنه يحتاج إلى التمويل، محذراً من أن استمرار نقص الموارد سيجعل من الصعب مواصلة تقديم المساعدات بالمستوى المطلوب.

19.5 مليون يواجهون الجوع
وبحسب أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، يواجه نحو 19.5 مليون شخص في السودان مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي، بينهم أكثر من خمسة ملايين في مرحلة الطوارئ، فيما تواجه مناطق متعددة خطر المجاعة. كما يُتوقع أن يعاني نحو 825 ألف طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد خلال عام 2026.

ويقول برنامج الأغذية العالمي إنه يصل حالياً إلى نحو أربعة ملايين شخص شهرياً بالمساعدات في السودان، لكن الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة لا تزال واسعة. وكان تمويل خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية للسودان قد بلغ نحو 20% فقط حتى أبريل 2026.

وفي طويلة، حيث أصبحت مخيمات النزوح تمتد على مساحة واسعة حول البلدة، أدى نقص التمويل إلى تقليص الحصص الغذائية، فيما باتت النساء اللاتي فقدن أزواجهن أو أبناءهن يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن في ظروف شديدة القسوة.

ويرى سكاو أن ما يحدث في طويلة يعكس صورة أوسع للأزمة، حيث أدى استمرار الحرب إلى تدمير مصادر الدخل والإنتاج، ودفع ملايين السودانيين إلى الاعتماد على المساعدات الغذائية.

الصورة: موقع برنامج الغذاء العالمي

الأبيض.. ملاذ يتعرض للضغط
وتشمل المناطق التي تحاول المنظمات الإنسانية دعمها مدينة الأبيض، التي استقبلت آلاف النازحين الفارين من القتال في مناطق مختلفة من السودان.

ويصف سكاو المدينة بأنها أصبحت أشبه بملاذ للنازحين، لكنه يحذر في الوقت ذاته من أن نقص التمويل يجبر برنامج الأغذية العالمي على تقديم مساعدات أقل، مع إعطاء الأولوية للواصلين الجدد والفئات الأكثر احتياجاً.

ويأتي ذلك في وقت تصنف فيه الأمم المتحدة ووكالات الغذاء الدولية السودان باعتباره إحدى أكثر بؤر الجوع خطورة في العالم، وسط استمرار النزوح وتعطل الأسواق والإنتاج وصعوبة الوصول الإنساني إلى مناطق واسعة.

جنوب السودان.. أزمة تتجاوز الحدود

ولا تتوقف تداعيات أزمة السودان عند حدوده. ففي جنوب السودان، يستمر وصول ما يصل إلى 3 آلاف لاجئ وعائد أسبوعياً من السودان، في وقت يواجه فيه البلد نفسه أزمة غذائية حادة ونقصاً متزايداً في التمويل.

ويواجه نحو 7.8 مليون شخص في جنوب السودان مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، بينما حذرت وكالات الأمم المتحدة من أن أكثر من 650 ألف لاجئ وطالب لجوء معرضون لفقدان المساعدات المنقذة للحياة بسبب نقص التمويل.

وقال ماثيو هولينغوورث، المدير التنفيذي المساعد للعمليات في برنامج الأغذية العالمي، إن جنوب السودان يقترب من "منحدر مالي" في الوقت الذي وصلت فيه الاحتياجات الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة خلال أكثر من عقد.

وفي مركز العبور بمدينة الرنك الحدودية، يستقبل البرنامج الفارين من السودان، وبينهم نساء وأطفال وكبار سن اضطر بعضهم إلى السير أياماً أو أسابيع للوصول إلى مكان آمن.

تشاد.. اللاجئون يواجهون خفض الحصص
وفي تشاد، تستضيف البلاد نحو 1.5 مليون لاجئ، بينهم قرابة 945 ألف شخص فروا من الحرب في السودان منذ أبريل 2023، وفق أحدث بيانات برنامج الأغذية العالمي.

وتتزامن أزمة التمويل مع موسم الأمطار والفترة الفاصلة بين المحاصيل، عندما ترتفع مخاطر الأمراض مثل الملاريا وتزداد صعوبة الوصول إلى الغذاء والمساعدات.

وكان برنامج الأغذية العالمي قد حذر في أبريل من أن أكثر من مليون لاجئ سوداني في تشاد يواجهون خطر خفض المساعدات الغذائية والمياه والمأوى والخدمات الصحية ما لم تتم معالجة فجوة تمويلية كبيرة.

وفي مناطق الاستقبال الحدودية، تقول مسؤولة عمليات اللاجئين في البرنامج إن اللاجئين لا يطلبون سوى الاحتياجات الأساسية، وفي مقدمتها الغذاء، خصوصاً للأطفال.

أزمة تمويل أم أزمة إنسانية ممتدة؟
لا تبدو أزمة المساعدات منفصلة عن الحرب نفسها. فالصراع أدى إلى نزوح واسع، وتدمير مصادر الإنتاج، وتعطيل الأسواق وطرق التجارة، بينما أدت الصدمات المناخية وتراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة إلى زيادة الاحتياجات.

ويحذر برنامج الأغذية العالمي من أن تقليص التمويل لا يعني فقط انخفاض عدد الوجبات التي تصل إلى المحتاجين، بل قد يؤدي أيضاً إلى تراجع برامج التغذية المدرسية، ودعم المزارعين، ومشروعات سبل العيش التي تساعد المجتمعات على الاعتماد على نفسها على المدى الطويل.

تكشف أزمة السودان، في الوقت نفسه، أن تداعيات الحرب لا تتوقف عند النازحين داخل البلاد؛ فهي تنتقل مع حركة السكان إلى تشاد وجنوب السودان، فتضغط على المجتمعات المضيفة التي تعاني أصلاً من الفقر والنزاعات والصدمات المناخية.

وبينما تستمر الحرب في عامها الرابع، يتزايد خطر أن تتحول أزمة التمويل الإنساني إلى عامل إضافي في اتساع دائرة الجوع، في وقت تقول فيه وكالات الأمم المتحدة إن الاحتياجات تتجاوز بكثير الموارد المتاحة.

في ظل هذه المعادلة، تبدو المساعدات الغذائية بالنسبة لملايين السودانيين واللاجئين في دول الجوار أكثر من مجرد استجابة طارئة؛ إنها شريان حياة يتراجع حجمه في الوقت الذي تتسع فيه الحاجة إليه.

معرض الصور