تم النشر بتاريخ: ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦ 09:32:48
تم التحديث: ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦ 09:35:42

السكن العشوائي بالقضارف.. بين الإزالة واختبار العدالة العمرانية

مجاهد نصرالدين
واصل جهاز حماية الأراضي الحكومية بمصلحة الأراضي بولاية القضارف حملاته الميدانية لإنذار المخالفين والمتعدين على الأراضي العامة تمهيداً لبدء عمليات إزالة السكن غير المخطط والتعديات العمرانية في عدد من الأحياء والمواقع الحيوية بالولاية.

وفي تصريحات نقلتها هيئة إذاعة وتلفزيون القضارف أوضح مدير جهاز حماية الأراضي بالمصلحة الأستاذ مرتضى عيسى، إن الإنذارات الموجهة للمخالفين تُعد نهائية حيال المخالفات الواقعة على المخططات العمرانية والطرق والميادين، مؤكداً أن خطط الإزالة تسير وفق الجداول الزمنية الموضوعة.

وشملت الحملات مسار شارع الستين، إلى جانب أحياء الملك غرب مربع (1)، ويثرب، وروينا الموحدة، كما امتدت إلى حي الصداقة مربع (17) جنوب شرق إدارة المرور، وحي ود الكبير مربع (9) جنوب مقر منظمة الهجرة الدولية، وتخوم تعويضات أكتوبر شمال صومعة البنك الفرنسي، وتعويضات سواكن وأركويت، إضافة إلى تجمعات عشوائية بمنطقة ديم سعد والخطة الإسكانية المجاورة للمقابر.

وأشار عيسى إلى أن الجهاز يعتمد منظومة من المعالجات الإدارية والقانونية لمحاربة ظاهرة السكن غير المخطط والتعديات على الأراضي العامة، مع العمل على تقنين أوضاع الفئات المستحقة وفق الأطر القانونية المنظمة بهدف إرساء دعائم السكن الآمن والوصول إلى ما وصفه بـ(تصفير العشوائيات) بولاية القضارف.

وفي الوقت الذي تستعد فيه السلطات لتنفيذ الإزالات يجد سكان هذه المواقع أنفسهم أمام واقع أكثر تعقيداً من مجرد مخالفة عمرانية فبالنسبة إلى بعض الأسر لم يكن الانتقال إلى مواقع غير مخططة قراراً عمرانياً مدروساً، وإنما استجابة لظروف اقتصادية وإنسانية فرضتها عليها الحرب والنزوح وارتفاع تكاليف المعيشة والسكن.

حين يصبح السكن اضطراراً لا اختياراً
تأتي حملات الإزالة في وقت تواجه فيه المدن السودانية ضغوطاً متزايدة على السكن والخدمات، نتيجة الحرب والنزوح وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وهي عوامل دفعت أسرًا كثيرة إلى البحث عن أي مساحة يمكن أن توفر لها مأوى، حتى وإن كانت خارج نطاق التخطيط الرسمي.

ويرى أحد المتابعين للملف فضل حجب اسمه أن مواجهة السكن غير المخطط وحماية الأراضي العامة مسؤولية أساسية للدولة، لكن التعامل مع جميع الحالات باعتبارها مجرد تعديات عمرانية قد يغفل الظروف التي دفعت بعض الأسر إلى الاستقرار في تلك المواقع.

ويقول إن هناك فرقاً بين من يتعدى على الأراضي بهدف الاستثمار أو المضاربة، وبين أسرة تبحث عن مكان آمن تعيش فيه بعدما فقدت منزلها أو عجزت عن تحمل تكاليف السكن النظامي.

ويضيف أن الحرب لم تنتج فقط أعداداً كبيرة من النازحين، بل دفعت كذلك أسراً فقيرة إلى تغيير أماكن إقامتها في ظل ارتفاع الإيجارات وتراجع الدخول وصعوبة الوصول إلى السكن المخطط.

ومن هذا المنظور فإن بعض سكان التجمعات غير المخططة لا ينظرون إلى المكان الذي يسكنون فيه باعتباره مكسباً على حساب الدولة وإنما باعتباره ملاذاً اضطرارياً مؤقتاً تحول بفعل طول الأزمة إلى إقامة دائمة.

الإزالة لا ينبغي أن تعني فقدان المأوى
ويؤكد المتابع أن حماية الأراضي العامة وإنفاذ القانون يظلان جزءاً أساسياً من مسؤولية الدولة لكن العدالة العمرانية تقتضي في المقابل ألا تتحول عملية الإزالة إلى فقدان جديد للمأوى بالنسبة إلى أسر لا تملك بديلاً.

ويقول إن نجاح الإزالة لا يقاس فقط بعدد المنازل التي أزيلت، وإنما بقدرة السلطات على نقل الأسر المستحقة إلى أوضاع سكنية أكثر أمناً و استقراراً بما يمنع انتقال المشكلة من موقع إلى آخر.

وكان مدير جهاز حماية الأراضي قد أكد أن الإجراءات تشمل معالجة أوضاع المخالفين وتوفير بدائل السكن الآمن للمستحقين وفق اللوائح المنظمة، وهو ما يجعل ملف البدائل السكنية عنصراً أساسياً في تقييم نتائج عمليات الإزالة.

فبالنسبة إلى الأسرة التي تعيش في منزل بسيط أقامته تحت ضغط الحاجة، قد تعني الإزالة أكثر من إزالة مبنى مخالف؛ فقد تعني فقدان المأوى، وتعطيل تعليم الأطفال، وفقدان القرب من مصادر العمل والخدمات، وربما العودة إلى نقطة الصفر.

بين حماية التخطيط وحماية الإنسان
لا يبدو أن التحدي في القضارف يتمثل في الاختيار بين حماية الأراضي أو حماية السكان، بقدر ما يتمثل في إيجاد طريقة تجمع بين الأمرين. فحماية الطرق والميادين والمخططات العامة ضرورة لتنظيم المدينة ومنع الفوضى العمرانية، لكن حماية الإنسان من التشرد أو الانتقال القسري إلى مواقع أكثر هشاشة لا تقل أهمية.

ويشير المتابع إلى أن الحل المستدام يحتاج إلى التوسع في التخطيط السكني، وتوفير الأراضي للفئات المستحقة، وتبسيط إجراءات الحصول على السكن النظامي، إلى جانب معالجة آثار النزوح والضغوط الاقتصادية التي تدفع الأسر إلى الاستقرار في مواقع غير مخططة.

كما أن وقف التعديات الجديدة يتطلب معالجة الأسباب التي تجعل بعض المواطنين يلجأون إلى البناء خارج التخطيط، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع النتائج بعد ظهورها.

"تصفير العشوائيات".. معالجة العرض أم جذور المشكلة؟
وبينما تستعد السلطات لتنفيذ الإزالات في المواقع التي شملتها الإنذارات النهائية، يبقى التحدي الأكبر في منع إعادة إنتاج الظاهرة مستقبلاً.

فإزالة المساكن المخالفة قد تعالج جانباً من المشكلة العمرانية، لكنها لا تنهي بالضرورة العوامل التي دفعت إلى ظهورها، خصوصاً في ظل استمرار النزوح، وتراجع القدرة الاقتصادية للأسر، وارتفاع الحاجة إلى السكن.

ولهذا فإن الوصول إلى هدف "تصفير العشوائيات" لا يرتبط فقط بإزالة الموجود، بل بقدرة الدولة على منع نشوء تجمعات جديدة من خلال توفير بدائل واقعية وميسرة، واستيعاب الزيادة السكانية والنازحين، وتوسيع التخطيط السكني، ومعالجة الفقر والضغوط الاقتصادية التي تدفع الأسر إلى خيارات اضطرارية.

وفي النهاية، تكشف حملات الإنذارات والإزالات المرتقبة بالقضارف عن ملف يتجاوز حدود التخطيط العمراني. فخلف كثير من المنازل البسيطة أسر تبحث عن الأمان، وأطفال يحتاجون إلى الاستقرار، ونازحون لم يختاروا الحرب التي دفعتهم إلى ترك مناطقهم.

وبينما تظل حماية الأراضي وإنفاذ القانون مسؤولية لا يمكن تجاهلها، فإن العدالة العمرانية تفرض سؤالاً عملياً آخر: كيف يمكن تنظيم المدينة دون أن يتحول تنظيمها إلى عبء جديد على الأسر الأكثر هشاشة؟

وهنا تبدو المعالجة الأكثر استدامة في الجمع بين إنفاذ القانون، وحماية الأراضي، وتوفير السكن الآمن، وإعطاء الأولوية للفئات التي اضطرتها ظروف الحرب والفقر والنزوح إلى السكن خارج التخطيط، حتى لا تصبح الإزالة نهاية مأوى قائم، بدلاً من أن تكون خطوة نحو مدينة أكثر تنظيماً وعدالة.

معرض الصور