تم النشر بتاريخ: ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦ 14:59:33
تم التحديث: ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦ 15:09:23

إثيوبيا من صراع العِرْق الي حرب مياه اقليمية

الأصمعي باشري
اتهم رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، المشير برهانو جولا، مصر والسودان وأطرافاً أخرى بتقديم دعم لجماعات مناوئة لأديس أبابا، معتبراً أن جبهة تحرير شعب تيغراي وإريتريا لا تشكلان قوة مؤثرة منفردتين من دون مساندة خارجية.

وقال جولا، في تصريحات للمنصة الإعلامية للجيش الإثيوبي نقلتها قناة العربية السعودية، إن قوى خارجية تقدم، بحسب تقديره، الدعم والتجهيز لتحالف جديد يضم جماعات مسلحة وسياسية، في إطار ما وصفه بمحاولات التأثير على استقرار إثيوبيا.

وقال رئيس أركان الجيش الإثيوبي إن جبهة تحرير شعب تيغراي وإريتريا لا تشكلان، بحسب تقييمه، قوة مؤثرة بصورة منفردة ما لم تتلقيا دعماً من مصر والسودان وأطراف أخرى خارج المنطقة.

تأتي تصريحات رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، المشير برهانو جولا، في لحظة شديدة الحساسية في القرن الأفريقي؛ فإثيوبيا لا تواجه فقط تجدد الصراع في تيغراي، وإنما تجد نفسها أمام شبكة متداخلة من النزاعات تمتد من إريتريا إلى السودان والبحر الأحمر، وتتقاطع معها قضية سد النهضة ومصالح مصر المائية. والأهم أن الاتهام الإثيوبي لمصر والسودان بتقديم الدعم إلى خصوم أديس أبابا، وإن كان يحتاج إلى أدلة مستقلة لإثباته، يكشف إلى أي مدى باتت السياسة الداخلية الإثيوبية مرتبطة بالحسابات الإقليمية.

ما يجعل التصريحات أكثر خطورة هو توقيتها. ففي سبتمبر 2026 تشكل تحالف إثيوبي جديد يضم سبع جماعات مسلحة وسياسية، بينها جبهة تحرير شعب تيغراي، وجبهة فانو الأمهرية، وجيش تحرير أورومو، إلى جانب مجموعات من مناطق أخرى. وهذا التحالف يجمع قوى كانت، حتى وقت قريب، تقاتل بعضها بعضاً، لكنها تلتقي الآن في معارضة حكومة أبي أحمد. كما تجدد القتال في تيغراي، وامتد إلى مناطق عفر وأمهرة، بما دفع الاتحاد الأفريقي إلى التحذير من أن التطورات الجديدة تهدد بتقويض المكاسب التي تحققت بعد اتفاق بريتوريا لعام 2022.

في هذا السياق يمكن قراءة حديث جولا عن "الأعداء الخارجيين" باعتباره أكثر من مجرد اتهام أمني. فالحكومة الإثيوبية تواجه معادلة داخلية معقدة: تيغراي التي لم تُغلق جراح حربها السابقة، وأمهرة التي تحولت فيها فانو من حليف للقوات الفيدرالية إلى خصم مسلح، وأوروميا حيث يستمر الصراع مع جماعات مسلحة، إضافة إلى التوتر المتصاعد مع إريتريا. ومن ثم يصبح من السهل، في الخطاب الأمني، ربط هذه الأزمات ببعضها ووضعها ضمن مشروع إقليمي واحد يستهدف الدولة الإثيوبية. لكن هذا التفسير يظل موقفاً للحكومة الإثيوبية، خصوصاً أن إريتريا نفت مراراً اتهامات مماثلة، كما نفى مسؤولون من تيغراي تلقي دعم عسكري أو لوجستي من دول الجوار.

الواقع أن العلاقة بين أديس أبابا وأسمرا تمثل أحد مفاتيح فهم التطورات الحالية. فبعد المصالحة التاريخية بين إثيوبيا وإريتريا عام 2018، تحولت الدولتان لاحقاً إلى خصمين مرة أخرى، خصوصاً بعد حرب تيغراي واتفاق بريتوريا، ثم بسبب طموحات إثيوبيا للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر. وقد جعل هذا الملف إريتريا طرفاً مركزياً في الحسابات الأمنية الإثيوبية، كما أعاد تشكيل التحالفات في المنطقة.

ومن هنا يدخل السودان إلى المعادلة بصورة شبه حتمية. فالسودان ليس مجرد دولة مجاورة لإثيوبيا؛ بل هو الدولة التي تقع مباشرة بين الصراع الإثيوبي وامتداداته إلى شمال شرق أفريقيا، كما أنه الدولة الأكثر تأثراً عملياً بأي اضطراب في الحدود الإثيوبية. الحدود بين البلدين ليست حدوداً جغرافية فحسب، بل مساحة تتقاطع فيها قضية الفشقة، وحركة اللاجئين، وشبكات التجارة والسلاح، والحرب السودانية، والنفوذ الإريتري والإثيوبي.

لهذا فإن اتهام السودان بدعم خصوم أديس أبابا يحمل دلالة استراتيجية تتجاوز إثبات الاتهام نفسه. فإذا ترسخت في المؤسسة العسكرية الإثيوبية قناعة بأن السودان أصبح جزءاً من شبكة الضغط على إثيوبيا، فقد تتحول الحدود المشتركة إلى مساحة أكثر حساسية، خصوصاً في ظل الحرب السودانية التي جعلت المنطقة الحدودية جزءاً من صراع إقليمي أوسع. وتشير تحليلات حديثة إلى وجود اتصالات وتقاطعات بين فصائل إثيوبية معارضة وأطراف سودانية وإريترية، مع بقاء طبيعة وحجم الدعم العسكري الفعلي محل خلاف.

لكن أخطر ما في المشهد هو انتقال هذه التوترات من الجغرافيا السياسية إلى مياه النيل. فالصراع حول سد النهضة لم يعد ملفاً فنياً منفصلاً عن الأمن الإقليمي. السد اكتمل ودخل مرحلة التشغيل بعد افتتاحه رسمياً في سبتمبر 2025، فيما لا يزال الخلاف بين إثيوبيا ومصر والسودان حول قواعد التشغيل وآليات التعامل مع سنوات الجفاف قائماً، من دون اتفاق ملزم وشامل. وتشير دراسة أكاديمية حديثة إلى أن المفاوضات ظلت متعثرة وأن القضايا المتعلقة بالتشغيل وإدارة المياه في فترات الجفاف لم تحسم باتفاق ملزم.

بالنسبة إلى إثيوبيا، يمثل سد النهضة رمزاً للسيادة والتنمية وإنتاج الكهرباء، وتتعامل أديس أبابا مع حقها في استخدام مواردها المائية باعتباره جزءاً من سيادتها. أما مصر فتنظر إلى النيل بوصفه مورداً حيوياً في دولة شديدة الندرة المائية، وقد جددت في سبتمبر 2026 رفضها لأي ترتيبات تسمح بالتحكم الأحادي في تدفقات النهر، بحسب اعلام مصري.

أما السودان فيقف في موقع أكثر تعقيداً. فالسد يمكن أن يوفر له فوائد تتعلق بتنظيم تدفقات النيل وتقليل مخاطر الفيضانات وتوفير الكهرباء، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى ضمانات تتعلق بسلامة السد وتبادل البيانات وقواعد التشغيل، خاصة أن سد الروصيرص يقع أسفل سد النهضة بمسافة قصيرة نسبياً. لذلك لا يمكن اختزال المصلحة السودانية في الاصطفاف الكامل مع القاهرة أو أديس أبابا؛ فالمصلحة السودانية المباشرة تتطلب إدارة مشتركة للمخاطر والمنافع.

هنا تظهر المفارقة: كلما ازداد الصراع السياسي والعسكري داخل إثيوبيا، أصبح من الصعب فصل قضية النيل عن الأمن القومي الإثيوبي. فإذا شعرت أديس أبابا بأنها محاصرة من تيغراي وإريتريا والسودان ومصر، فقد تصبح أكثر حساسية تجاه أي تحرك مصري أو سوداني، وقد تنظر إلى التعاون المائي من زاوية أمنية لا فنية فقط. وفي المقابل، كلما ارتفعت حدة الخطاب الإثيوبي بشأن السيادة على النيل، ازداد القلق المصري والسوداني من غياب قواعد ملزمة للتشغيل.

وهذا هو الخطر الحقيقي: ليس أن تؤدي حرب إثيوبية داخلية بالضرورة إلى حرب مياه، بقدر ما تتحول أزمة المياه إلى أحد مكونات صراع إقليمي متعدد الجبهات. فالقرن الأفريقي يعيش أصلاً حالة تنافس بين قوى إقليمية ودولية، من البحر الأحمر إلى السودان والصومال وإثيوبيا وإريتريا. وتتنافس في هذه المساحة اعتبارات الموانئ والتجارة والأمن البحري والطاقة والنفوذ السياسي، إلى جانب الحرب السودانية. كما أن سعي إثيوبيا إلى الحصول على منفذ بحري أعاد ترتيب علاقاتها مع إريتريا والصومال ومصر ودول أخرى، وأصبح البحر الأحمر جزءاً من الحسابات الاستراتيجية الإثيوبية.

لذلك فإن أخطر سيناريو ليس مجرد عودة الحرب في تيغراي، ولا مجرد توتر جديد بين إثيوبيا وإريتريا، ولا حتى استمرار الخلاف حول سد النهضة؛ لكنه تداخل لكل هذه الأزمات؛ بحيث يصبح كل ملف وقوداً للملف الآخر.

فحرب إثيوبية جديدة يمكن أن تزيد الضغط على السودان، والحرب السودانية يمكن أن تزيد مخاوف إثيوبيا الحدودية، والتوتر الإثيوبي المصري يمكن أن ينعكس على مياه النيل، والصراع حول البحر الأحمر يمكن أن يعيد تشكيل التحالفات التي تقف خلف كل هذه الملفات.

من هذه الزاوية، تصبح تصريحات برهانو جولا مؤشراً مهماً على طبيعة التفكير الأمني داخل الدولة الإثيوبية، حتى قبل إثبات الاتهامات التي وردت فيها. فهي تقول، بصورة غير مباشرة، إن أديس أبابا لم تعد ترى الصراع الداخلي باعتباره شأناً إثيوبياً خالصاً، وإنما باعتباره جزءاً من مواجهة أوسع على النفوذ والموارد والحدود والمياه والمنافذ البحرية.

ولهذا فإن حماية أمن النيل لا تبدأ بالتصعيد، وإنما بإبعاد المياه عن منطق المحاور العسكرية. فالسودان ومصر وإثيوبيا، مهما بلغت خلافاتهم، لا يستطيع أي منها تغيير الجغرافيا: إثيوبيا دولة المنبع الرئيسية للنيل الأزرق، والسودان يقع في قلب مجراه، ومصر تعتمد عليه بدرجة كبيرة. هذه الحقيقة تجعل الصراع الصفري أقل قابلية للاستمرار، وتجعل التعاون في تبادل البيانات والتشغيل أثناء الجفاف وسلامة المنشآت المائية أكثر إلحاحاً.

وفي لحظة تتجه فيها إثيوبيا نحو صراع داخلي جديد، ويعيش السودان حرباً مفتوحة، وتزداد حساسية البحر الأحمر، فإن مياه النيل تصبح أكثر من مورد طبيعي؛ تصبح اختباراً لقدرة دول المنطقة على منع أزماتها الداخلية من التحول إلى حرب إقليمية شاملة. وقد يكون أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تدخل المياه في حسابات الحرب، بينما يفترض أن تكون إحدى المساحات القليلة التي تفرض على الجميع البحث عن صيغة للتعايش.

في النهاية، فإن مستقبل الصراع الإثيوبي لن يتحدد داخل حدود إثيوبيا وحدها. وبحسب تقارير الاتحاد الافريقي ، فكلما اتسعت دائرة الصراع حول تيغراي وإريتريا وأمهرة وأوروميا، زادت احتمالات انتقال آثاره إلى السودان والبحر الأحمر، ومعها تتعقد قضية النيل. أما سد النهضة، الذي كان في الأصل مشروعاً للطاقة والتنمية، فقد أصبح بالفعل جزءاً من بنية الأمن الإقليمي. وإذا لم تُفصل إدارة المياه عن منطق الاستقطاب العسكري، فإن أزمة النيل قد تتحول من خلاف دبلوماسي طويل إلى أحد أخطر ملفات الأمن في القرن الأفريقي.

معرض الصور