تم التحديث: ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦ 22:16:26
السودان وأسئلة ما بعد الحرب.. ماذا بعد أن تصمت البنادق؟
أمير بابكر عبد الله
قال الفريق أول ياسر العطا، رئيس هيئة أركان الجيش السوداني، في مقابلة مع صحيفة "الشروق المصرية" نشرت الأحد، إن "البرهان ليس متشبثا بالسلطة، لكن نحن نخاف على بلدنا من الانهيار، ونخشى على كيان الدولة، وسوف نجبره على السلطة، ليكون هو رأس السلطة لعدد من الدورات حتى نكون استطعنا تقوية ودعم أحزابنا وتكون أحزاب وطنية، والشباب السودانى يكوّن أحزاب جديدة وقوية ووطنية تكون أجندتها الوطن، وسوف نشركهم فى إدارة السلطة حتى يكتسبوا الخبرات حتى نسلمهم السلطة.
وكشف العطا عن وجود أكثر من رؤية داخل قيادة الجيش بشأن ترتيبات المرحلة المقبلة، من بينها أن يكون القائد العام للقوات المسلحة رأسًا للدولة في الدورة الانتخابية الأولى، بينما تتولى الأحزاب الفائزة إدارة الجهاز التنفيذي، على أن يحال القائد العام لاحقا إلى المعاش ويخوض الانتخابات في دورة تالية.
التصريح الذي سقط حجره في بِركة ليست ساكنة أصلاً، إذ لا يزال سطحها يطفح بالحرب تداعياتها، تشير دلالاته إلى أن قيادات في المؤسسة العسكرية تضع "تربيزتين رمل"، واحدة للتخطيط العسكري الميداني وأخرى للتخطيط السياسي لرسم مستقبل السودان وفق رؤيتهم، يتنقلون بينهما في وقت واحد. فبقدرما يجتهد القادة في رسم الخطط العسكرية كواجب مهني ورئيسي لمؤسسة من مؤسسات الدولة، يولون بنفس القدر من الاهتمام "تربيزة" التخطيط السياسي".
ورغم إشارة العطا إلى رفض البرهان للخطوة التي قامت بها مجموعة شبابية بإعلان ترشيحه للرئاسة، إلا أن مكان تصريحات البرهان كان منزل العطا نفسه وفي وجود المجموعة التي تصدت لترشيحه مما يشير إلى علاقة بين خطوة تلك المجموعة وتصريحات العطا الأخيرة.
على الرغم من ضجيج البِركة بالأحداث الجسام الممسكة بتلابيب السودان وشعبه، إلا أن تلك التصريحات دفعت بأسئلة ما بعد الحرب إلى أن تطفو إلى السطح وبقوة وتحمل في طياتها أسباب إندلاعها، وتاريخ اندلاع الحروب الأهلية في البلاد، إلى جانب تداعياتها وآثارها على الناس.
لعل أول الأسئلة التي طفت، بعد تصريحات العطا، هو من سيرسم شكل السودان عندما تصمت البنادق. فالسؤال عن "اليوم التالي" للحرب لم يعد سؤالا مؤجلا إلى حين انتهاء المعارك. فبينما تستمر العمليات العسكرية، تتشكل بالفعل تصورات مختلفة بشأن الدولة والسلطة والجيش والانتخابات والمرحلة الانتقالية. وهذا يعني أن الصراع على السودان المقبل قد بدأ قبل أن تنتهي الحرب على السودان الحالي.

الجيش والسياسة.. السؤال المؤجل
بدوري رميت ما قاله الفريق ياسر العطا في بِركة حسابات قائمة "واتساب" على هاتفي في محاولة لاستطلاع رأي لفئات مختلفة مسجلة في القائمة ضمت مهتمين بالسياسة من اتجاهات يمينية ويسارية ووسطية وضباط سابقين في الجيش وشباب ونساء. كان التفاعل مذهلاً كمؤشر قياس يوحي بأن التصريح كان له وقعه وتأثيره بين مؤيدين للفكرة ومعارضين لها وآخرين سخروا منها واعتبروها نسفا لأي حوار وسط معاناتهم اليومية بتوفير سبل الحياة.
أعادت تلك التصريحات إلى الواجهة أقدم معضلات الدولة السودانية وهي العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسياسة، إذ يعتبر الجيش مؤسسة غير عادية في دولة كالسودان عرفت الانقلابات والحكم العسكري طويلا، وظل أحد أهم الفاعلين في تحديد شكل السلطة، وفي بعض المراحل كان هو السلطة نفسها.
يقول الكاتب والناشط السياسي، منتصر إبراهيم، لـ "ألترا صوت" حديث ياسر العطا يشرح طبيعة الحياة السياسية في السودان ومستقبل السودان بعد الحرب. ويضيف بأن هذا الطرح يعبر عن الأزمة السودانية الخاصة بأزمة الإجماع، الإجماع كطرح سياسي، والاتفاق، والفاعلية و"يشمل ذلك الأحزاب السياسية وعدم فاعليتها والمؤسسة العسكرية وافتقاد كل الأطراف للحد الأدنة من الاتفاق والإجماع".
ويرى إيراهيم ضرورة إيجاد صيغة لتجاوز أزمة الاتفاق حول مسألة الحكم وإدارة الدولة. وقال إن المؤسسة العسكرية بحكم الواقع تضع يدها على الدولة السودانية وتوزع صكوك الوطنية. واعتبر أن هذه المسألة تحتاج لحوار جاد لخلق أرضية للحوار حول مسألة الحكم وإدارة الدولة وهو ما يتطلبه الانتقال من مرحلة عدم الاستقرار السياسي والحرب الأهلية والانهيار الاقتصادي "وليس الأحكام الجزافية التي يطلقها ياسر العطا".
واشترط إبراهيم لانجاز هذه المرحلة جلوس جميع الأطراف من الفاعلين السياسيين والعسكريين وقادة الجهاز البيروقراطي وأهل الرأي والمشورة للاتفاق حول رؤية مشتركة، بدلاً من انكفاء كل طرف على رؤيته.
في ذات السياق يعتبر الباحث في التاريخ والآثار، فتحي عبد العزيز، أن مرحلة الانهيار العام بسبب الحرب وضعت المؤسسة العسكرية "على علاتها" كضامن لبقاء الدولة "وهو واقع مختل في أوضاع غير طبيعية". واشار في حديثه لـ "الترا صوت" إلى أن مؤسسات المجتمع المدني التي يعول عليها هي نفسها في حالة انهيار وتشرزم.
ونفى عبد العزيز ان يكون المخرج الوحيد لخروج الشعب السوداني من بين سندان المؤسسة العسكرية والأحزاب السياسية هو استمرار البرهان في الحكم. ويرى إن خيارات الشعب وإعادة بناء الدولة متوفرة ومن ضمنها سلطة مدنية من الكفاءات والمختصين من الكفاءات والمختصين تعيد بناء مؤسسات الدولة وعجلة الاقتصاد فى اطار خطة خمسية او حتى عشرية، و"تكون أيضا فرصة للاحزاب السياسية لاعادة البناء والمنافسة مستقبلا فى انتخابات حرة ونزيهة وفى دولة مؤسسات قائمة بالفعل وليس حطام دولة".
دولة قبل أم بعد الحرب
الحرب الحالية تجعل المسألة أكثر تعقيداً. فالمؤسسة العسكرية تخوض حرباً تعتبرها معركة للدفاع عن الدولة، وفي الوقت نفسه تتحدث قيادات فيها عن ترتيبات سياسية مستقبلية. هنا يصبح الفصل بين الدور العسكري في حماية الدولة والدور السياسي في إدارة الدولة مسألة مركزية في أي ترتيبات لما بعد الحرب، وأن يكون الاتجاه نحو إعادة تشكيل الدولة والمجتمع وعلاقة السلطة بالمؤسسة العسكرية.
العودة إلى ما قبل 15 أبريل 2023 تبدو، على المستوى الواقعي، أكثر تعقيدًا مما قد توحي به بعض التصورات السياسية. فقد تغيرت موازين القوة، وانتشر السلاح، وتوسعت دائرة الفاعلين المسلحين، وتضررت مؤسسات الدولة، ونزح الملايين، وتبدلت البنية الاقتصادية والاجتماعية، كما تعمقت الانقسامات السياسية والمجتمعية.
لذلك فإن مرحلة ما بعد الحرب لا ينبغي اختزالها في وقف إطلاق النار، أو تشكيل حكومة انتقالية، أو الدعوة إلى انتخابات، فالأمر يتعلق بإعادة تعريف الدولة نفسها وبناء مؤسساتها وفقاً لدستور دائم يحدد حق امتلاك استخدام القوة وكيفية تشكيل السلطة ويحدد العلاقة بين الجيش والحكومة وكيفية توزيع الثروة بين المركز والأقاليم وضمان أن لا تعود الحرب مرة أخرى بمعالجة جزور أسبابها.
يقول الإعلامي مجاهد نصر الدين إن أهمية تصريح العطا لا تكمن فقط في الحديث عن مستقبل الفريق أول عبد الفتاح البرهان وإنما في الفكرة السياسية التي يحملها بشأن شكل الحكم ومستقبل الدولة السودانية، وأضاف "القول إن البرهان يمكن أن يبقى في السلطة لعدة دورات بهدف منح الأحزاب فرصة لتقوية نفسها يفتح نقاشاً أوسع فيما يتعلق بمن يملك حق تحديد مستقبل السلطة في السودان، وما هو الدور الذي ينبغي أن تلعبه المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية".
ولفت نصر الدين إلى أن استخدام عبارة "سنجبر البرهان على السلطة" تتجاوز الحديث عن شخص البرهان لتلامس جوهر مسألة الشرعية السياسية في السودان. ورأى أن بقاء رئيس الدولة في السلطة لا يفترض أن يكون قراراً تفرضه قوة سياسية أو عسكرية، وإنما شأن تحكمه المؤسسات الدستورية والإرادة الشعبية والقواعد التي تنظم انتقال السلطة.
فرق بين أمرين
إن الأمر لا يتعلق بحق العسكريين في المشاركة السياسية بوصفهم مواطنين، فهذا حق يمكن أن ينظمه الدستور والقانون. ولكنه يتعلق بالطبيعة الوظيفية المهنية للمؤسسة العسكرية في ظل نظام حكم مدني وأن لا تستغل هي أو "لا يُستغل" موقعها وقوتها العسكرية في السياسة.
فإذا أصبحت المؤسسة العسكرية هي التي تحدد شكل المرحلة الانتقالية، وتختار سقفها الزمني، وتقرر من يقود الدولة، وتحدد شروط المشاركة السياسية، فإن الانتخابات نفسها قد تصبح جزءًا من ترتيب سياسي تضع المؤسسة العسكرية قواعده قبل أن يبدأ. أما إذا كان الجيش مؤسسة وطنية خاضعة لسلطة مدنية منتخبة، فإن دوره في المرحلة الانتقالية يصبح محكومًا بالدستور والقانون، لا بموازين القوة العسكرية.
وستتواصل أسئلة ما بعد الحرب لنتلمس طريقنا لمعرفة ما سنفعله بالسودان عندما تصمت البنادق.

