تم النشر بتاريخ: ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦ 21:24:51
تم التحديث: ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦ 21:29:41

الملايين يعودون إلى ديارهم ليجدوا العاصمة السودانية غير صالحة للعيش

وكالة الأنباء الفرنسية
عادت أعداد كبيرة إلى مدينة دمرتها الحرب، بإصرار ورغبة في إعادة بناء حياتهم، غير أن النقص الحاد والمزمن في الكهرباء والمياه وفرص العمل والأدوية جعل العديد من سكان العاصمة السودانية يتمنون لو أنهم لم يعودوا.

وكان نحو أربعة ملايين شخص قد فروا من الخرطوم عقب اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع عام 2023، في قتال حوّل أجزاءً واسعة من المدينة إلى أنقاض.

لكن الملايين من العائدين—والذين يُقدّر عددهم بنحو 2.7 مليون شخص منذ استعادة الجيش للخرطوم العام الماضي—يجدون أنفسهم عالقين بين فرحة العودة إلى الوطن والواقع القاسي للعيش فيه.

وقال رجل الأعمال عماد خالد إنه بصدد إعادة عائلته إلى مصر، بينما سيبقى هو في الخرطوم لمتابعة عمله.

وأضاف ابن الـ43 عاماً لوكالة "فرانس برس" بالقرب من وسط المدينة المليء بالمباني المتفحمة والمحطمة جراء القصف: "كان إحضار عائلتي إلى هنا خطأً".

كما صرح العديد من المسؤولين الحكوميين—الذين أُمروا بالعودة إلى الخرطوم—لوكالة "فرانس برس" بأنهم يقومون أيضاً بإبقاء عائلاتهم خارج البلاد.

في غضون ذلك، لا يزال القتال بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع مستعراً في مناطق أخرى من السودان، بما في ذلك أقاليم دارفور وكردفان والنيل الأزرق.

من جانبه، قام الجيش—الذي يشجع سكان الخرطوم بقوة على العودة—بإعادة بناء المطار وإعادة فتحه أمام الرحلات الداخلية، إلى جانب ترميم بعض أجزاء البنية التحتية.

ومع ذلك، لا تزال الكهرباء والمياه تنقطع لأيام متواصلة. ورغم إعادة فتح الأسواق في جميع أنحاء العاصمة، إلا أن الكثيرين يعانون من البطالة ولا يملكون سوى القليل من المال للإنفاق.

وبحلول شهر يونيو، لم تُعلن الأُمم المتحدة سوى عن 1% فقط من مساحة الخرطوم كمنطقة آمنة، حيث قُتل وأُصيب عشرات الأطفال جراء الشراك الخداعية والقذائف غير المنفجرة الكامنة داخل الجدران وعلى زوايا الشوارع.

وقد عاد ما يقرب من نصف مليون شخص من مصر المجاورة، حيث كان قد لجأ إليها 1.5 مليون سوداني، لكنهم واجهوا هناك ارتفاعاً كبيراً في تكاليف المعيشة والمضايقات والاعتقالات والترحيل.

وشهدت الأحياء الشعبية والعمالية في الخرطوم أعلى أعداد من العائدين، في حين يُفضل معظم القادرين ماديين البقاء بعيداً.

ونتيجة لذلك، باتت الأحياء الراقية مثل "الخرطوم 2" مهجورة. وعلى طول الشوارع الممتدة المليئة بالأشجار، يتطاطأ زجاج النوافذ المكسور تحت الأقدام، ولا يملأ الجو بين الفيلات الخاوية سوى تغريد الطيور، بعد أن دُمّرت أركان كاملة من تلك الفيلات بفعل الصواريخ.

ظنت ثريا بابكر (86 عاماً) أنها عادت إلى ديارها نهائياً. لكن بعد ثلاثة أشهر، قالت لوكالة "فرانس برس": "أنا وزوجي وابنتي الصغرى نغادر إلى الإمارات العربية المتحدة".

وأضافت: "نحن لا نريد المغادرة"، موضحةً أن غياب الرعاية الطبية يجعل البقاء أمراً مستحيلاً.

ومع بدء تدفق العائدين العام الماضي، سارعت الجمعيات الخيرية السودانية لإعادة ترميم المستشفيات، حيث يقول كوادر الرعاية الصحية إن بعضها أصبح الآن "أفضل مما كان عليه من قبل".

ولكن رغم هذه الجهود الحثيثة، تقول الطبيبة هيفاء عمر إن "بعض المستلزمات بكل بساطة غير متوفرة".

وتضيف بأسى: "نضطر للطلب من المرضى شراء بعض الأدوية على نفقتهم الخاصة. أقول هذا والغصة في حلقي، فنحن نعلم تماماً مدى صعوبة ظروف الناس".

من جانبه، يضطر الأستاذ الجامعي إمام بابكر لزيارة 10 صيدليات ليجد دواء الضغط الخاص بوالده، ويقول ابن الـ34 عاماً: "في كل يوم أجد سعراً مختلفاً للدواء".

وأضاف لوكالة "فرانس برس" أنه اشترى ثلاجة لتخزين الإنسولين لوالدته المصابة بالسكر، "لكن الكهرباء تنقطع لمدة 12 ساعة يومياً، مما يؤدي إلى تلف الدواء".

أما آخرون مثل سعاد محمد (49 عاماً)، فقد تعرضت ثلاجتها للسرقة من قبل النهابة ولم تكن قادرة على شراء بديل لها.

وتقول سعاد: "لذا أضطر الآن لشراء الخضار واللحوم يومياً، والأسعار ترتفع كل يوم".

باتت الخرطوم، التي كانت يوماً ما عاصمة أفريقية كبرى يقطنها أكثر من ثمانية ملايين نسمة، مجرد هيكل لما كانت عليه في الماضي.

وفي وسط المدينة، صرح مسؤول مخضرم في الأمم المتحدة لوكالة "فرانس برس" بأن حجم الدمار يتقزم أمامه أي أزمة أخرى شاهدوها، بما في ذلك أزمة أوكرانيا.

ورغم استمرار الهجمات العرضية بطائرات الدرون من قبل قوات الدعم السريع، أُبلغ طلاب جامعة الخرطوم بضرورة العودة، بعد أن أنهت السلطات نظام التعليم عن بُعد في يوليو.

وهدد أساتذة كلية الطب بجامعة الخرطوم بالاستقالة الجماعية احتجاجاً على ذلك، بينما يشكو الطلاب من إجبارهم على العودة.

وقال أحد طلاب الماجستير لوكالة "فرانس برس"، طالباً عدم الكشف عن هويته: "ترفض الجامعة مناقشة رسالتي عبر الإنترنت، رغم أن المشرف عليّ يقع في دولة أخرى ولا يرغب في العودة".

فيما ذكرت طالبة في مرحلة البكالوريوس بفرع الإدارة، وكان مفترضاً أن تبدأ سنتها النهائية، أنها تفادت الامتحانات الحضورية هذا الصيف وتعمل الآن جاهدة للحصول على منح دراسية في مصر للبدء في الدراسة الجامعية من الصفر.

وقالت لوكالة "فرانس برس": "لم يستمعوا إلينا، كل ما كان يهمهم هو عودة الناس".

وأضافت: "بالنسبة لي، الأمر سياسي محض، هم يريدون عودة الناس لإظهار أن الأمور على ما يرام، بينما في الحقيقة الأمور ليست على ما يرام على الإطلاق".

معرض الصور