تم النشر بتاريخ: ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦ 13:13:03
تم التحديث: ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦ 13:19:54

في غياب حارس باب الأمل

<p>الأصمعي باشري</p>

الأصمعي باشري

غاب في القاهرة، في الخامس والعشرين من سبتمبر 2026، المفكر والكاتب وعالم الاجتماع السوداني الدكتور حيدر إبراهيم علي، عن عمر ناهز الثلاثة وثمانون عاماً، بعد مسيرة فكرية وأكاديمية وثقافية امتدت لأكثر من خمسة عقود، انشغل خلالها بقضايا المجتمع السُّوداني والدولة والدِّيمقراطية والحريات والتنوير، وترك وراءه إنتاجاً واسعاً في علم الاجتماع والفكر السيّاسي والديني، إلي جانب تجربة مركز الدّراسات السٍّودانية ومجلته «كتابات سودانية».

ولعل قيمة الدكتور حيدر إبراهيم علي لا تكمن في الكتب والدراسات التي تركها وحدها، إذ يظهر ذلك أكثر في التلازم بين مشروعه الفكري وشخصيته العامة؛ فقد ظل، في نظر كثير من الذين عرفوه أو تابعوا تجربته، مثقفاً يرى في المعرفة مسؤولية تجاه المجتمع، وفي الكتابة فعلاً يتجاوز حدود التأليف إلى محاولة فهم الواقع وتغييره.

مراثي الشعراء
في مرثيته، يذهب الشاعر عبد اللطيف حسن إلى منطقة أبعد من الكتابة الفكرية نفسها، فيتحدث عن الإنسان الذي كان يقف وراءها. يقول: إن أشياء كثيرة جعلته يحب حيدر إبراهيم «بعيداً عن كتاباته الفكرية الرصينة ومنهجه في تحليل المشاكل السودانية وطرائقه الجذابة في السرد والعرض وطرح الأسئلة واقتراح الحلول». ويضيف أن حيدر كان، في نظره، «إنساناً حراً بالمعنى الحقيقي للحرية»، مترفعاً عن الصغائر، وممسكاً بنفسه عن الانزلاق إلى الابتذال.

ويرى عبد اللطيف أن تلك السيرة الشخصية كانت سبباً في احترام حيدر حتى لدى خصومه الفكريين، قائلاً إنه لم يكن مولعاً بصناعة أمجاد شخصية، وإنما كان «صارماً وصادقاً في مساعيه الفكرية في معالجة المشكلات التي يعاني منها المجتمع السوداني»، مسخراً علمه ووقته وجهده لخدمة السودان.

يختصر الشاعر معنى الفقد عنده بعبارة شديدة الدلالة: «لم يكن حيدر موته موت واحد، ولكنه بنيان قوم تهدم». ففي رحيله، كما يقول، لا تُفقد شخصية فكرية فحسب، وإنما تغيب سيرة إنسان ظل، رغم ما يصفه عبد اللطيف بأزمنة الانحطاط والتردي، بعيداً عن الهتر والمعارك الشخصية، منشغلاً بالقضايا الكبرى.

تجربة مركز الدراسات السودانية

الشاعر بابكر الوسيلة يقرأ تجربة حيدر من بوابة مشروعه المعرفي. ويستعيد بداياته الأكاديمية، وانتقاله إلى ألمانيا لدراسة العلوم الاجتماعية، وصولاً إلى اشتغاله على التغيير الاجتماعي والثقافي في المجتمع السوداني. وفي شهادته، يبدو حيدر واحداً من المثقفين الذين لم يكتفوا بوصف الواقع، وإنما حاولوا الإسهام في صناعة «ثقافة جديدة» تتجاوز ما يسميه الوسيلة «عقلاً قديماً».

ومن هذه الزاوية، تصبح تجربة مركز الدراسات السودانية أكثر من مؤسسة للنشر والدراسات. فقد أسس حيدر المركز في القاهرة عام 1992، وتحول المركز مع الوقت إلى مساحة للبحث والنشر والحوار حول السودان، وأصدر الكتب والدراسات ومجلة «كتابات سودانية». وتذكر مصادر المركز أن حيدر ترك عشرات المؤلفات في قضايا علم الاجتماع والدين والسياسة والديمقراطية والمجتمع المدني، من بينها «أزمة الإسلام السياسي»، و«الديمقراطية والمجتمع المدني في السودان»، و«المثقفون: التكوين في السودان»، و«المجتمع المدني والمجتمع التقليدي في السودان»، و«السودان الوطن المضيّع»، و«الأمنوقراطية وتجدد الاستبداد في السودان»، فضلاً عن سيرته الذاتية «أزمنة الريح والقلق والحرية».

ويصف بابكر الوسيلة هذا المشروع باعتباره محاولة لـ«محو سلطة البياض» وترسيخ سلطة الكتابة والوعي، ويرى أن أثر المركز لا يتوقف عند ما أصدره من كتب ودوريات، وإنما يمتد إلى أجيال من الكتاب والباحثين الذين نهلوا من تجربته. لذلك يقول: «لن تنطفئ هذه الأنوار الثقافية الساطعة، ما دامت الأجيال المتعاقبة قد نهلت، سلفاً، من قبسها».

ويشير الوسيلة، في ختام شهادته، إلى مفارقة مؤثرة: رحل حيدر بينما كانت «كتابات سودانية» تستعد لإصدار جديد. وكأن المشروع الذي بدأه صاحبه يواصل حياته بعد غيابه، لتصبح الكتابة نفسها واحدة من أشكال استمرار الرجل.

جدل المثقف والمجتمع
أما الشاعر مغيرة حربية فيختار عنواناً مكثفاً لشهادته: «كتب كثيراً. لكن القراء قليلون». وهي عبارة تختزل، في نظره، واحدة من مشكلات العلاقة بين المثقف السوداني ومجتمعه.

يقول حربية إن حيدر إبراهيم ظل لأكثر من خمسين عاماً «دؤوباً ومثابراً» في مواجهة التخلف والسلفية السياسية والفكرية، وفي الدفاع عن بناء مؤسسات اجتماعية ومدنية حديثة. ويرى أن نقد حيدر للحكم الإسلامي في السودان كان مرتبطاً، بصورة أساسية، برؤيته لمسألة الدولة والمجتمع، وبمخاوفه من تفكيك المؤسسات الحديثة لمصلحة الانتماءات القبلية.

وفي قراءة حربية، كان حيدر يرى أن معالجة أزمات السودان لا تكون فقط من خلال الاشتباك مع مركز السلطة، وإنما أيضاً عبر الاهتمام بالمجتمعات البعيدة عن المركز، وتنميتها، وفهم تحولات الريف والمدينة، ومحاولة مقاومة العنف والانقسام بأدوات الفكر والمعرفة. ومن هنا يصفه بأنه «مثقف ذكي يحاول أن يدرأ الحرب من مراكز الحضر بتنمية المجتمعات البعيدة ويقاوم بالفكر الهادئ سطوة المركز على كل شيء».

من القرير إلى فضاء الفكر السوداني
وُلد حيدر إبراهيم علي في القرير شمال السودان عام 1943. بدأ تعليمه في السودان، وحصل على دبلوم التاريخ والتربية من كلية أم درمان عام 1966، ثم نال ليسانس علم الاجتماع من جامعة القاهرة عام 1970، قبل أن يحصل على الدكتوراه في فلسفة العلوم الاجتماعية من جامعة فرانكفورت بألمانيا عام 1978. وتدرج بعد ذلك في عدد من المواقع الأكاديمية والبحثية في السودان وخارجه، من بينها التدريس الجامعي في ليبيا والسعودية والإمارات والسودان، كما عمل منسقاً للدراسات والنشر بالمجلس القومي للثقافة العربية في الرباط.

تخصص حيدر في علم الاجتماع الديني، وانشغل بصورة خاصة بقضايا التنوير والتحرر ونقد الإسلام السياسي والديمقراطية والمجتمع المدني. وفي عام 1992 أسس مركز الدراسات السودانية بالقاهرة، الذي أصبح واحداً من أبرز مشروعاته الفكرية والثقافية، قبل أن ينتقل نشاط المركز لاحقاً إلى الخرطوم في مطلع الألفية الثالثة.

وخلال هذه المسيرة، لم يكن حيدر باحثاً أكاديمياً منعزلاً عن الشأن العام. فقد ظل حاضراً في النقاشات المتعلقة بالدولة السودانية وتحولاتها، وكتب بصورة نقدية عن الحكم الإسلامي والاستبداد والديمقراطية والهوية والمجتمع المدني، كما أنتج دراسات وكتباً امتدت موضوعاتها من علم الاجتماع والتنمية إلى الدين والسياسة والثقافة.

معرض الصور