تم التحديث: ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦ 13:57:48
أسئلة ما بعد الحرب.. الجيش السوداني الذي نريد
أمير بابكر عبد الله
تتسارع الأحداث في الشأن السوداني، على الصعيدين الداخلي والخارجي، بمتوالية تكاد تأخذ بالأنفاس، وتدفع بأسئلة ما بعد الحرب إلى الواجهة قبل أن تضع الحرب أوزارها. فبينما تحدث رئيس أركان الجيش الفريق أول ياسر العطا عن رؤى تتصل بمستقبل السلطة بعد الحرب، دعا الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي»، إلى بناء منظومة أمنية تقوم على جيش وطني واحد تحت إشراف مدني، بدلًا من تعدد القوات المسلحة والولاءات العسكرية.
وبقدر ما تبدو الدعوة إلى جيش وطني واحد واضحة ومفهومة في دولة حديثة، فإنها تفتح، في الحالة السودانية، أسئلة أعمق من مجرد توحيد التشكيلات المسلحة. فالسؤال الذي ينبغي أن يسبق سؤال أي جيش نريد؟ هو: أي دولة نريد أن يكون هذا الجيش جيشها؟ إذ إن الدعوة إلى بناء جيش واحد، وهي في جانب منها اعتراف بواقع تعدد الجيوش ومراكز القوة المسلحة الذي ظل ملازمًا لتاريخ السودان الحديث، ستظل ناقصة ما لم ترتبط بمشروع متكامل لإعادة تأسيس الدولة وعقدها الاجتماعي والدستوري.
فالسودان ورث عند الاستقلال جهاز دولة تشكل في ظل الاستعمار، بما في ذلك المؤسسة العسكرية، ولم تتح له الفرصة الكافية لإعادة صياغة هذه المؤسسات وفق مشروع وطني متوافق عليه يحدد طبيعة الدولة وأهدافها العليا وعلاقة مؤسساتها ببعضها. لم يكن تغيير العلم وإنزال راية المستعمر ورفع الراية الوطنية كافياً لتحويل مؤسسات الدولة من مؤسسات موروثة إلى مؤسسات وطنية تستمد شرعيتها من عقد اجتماعي جامع.
من هنا فإن الجيش الوطني لا يمكن أن يكون مجرد مؤسسة عسكرية موحدة في القيادة والزي والتسليح، وإنما مؤسسة تستمد عقيدتها من العقيدة الشاملة للدولة. فإذا كانت الدولة نفسها تفتقر إلى مشروع وطني متوافق عليه، فإن الحديث عن عقيدة عسكرية مستقرة يصبح حديثاً مبتوراً، لأن العقيدة العسكرية، في جوهرها، ليست سوى التعبير العسكري عن تصور الدولة لأمنها ومصالحها العليا وحدود استخدام القوة وعلاقتها بالمجتمع والسلطة.
في ظل فوضى الدولة السودانية، وعدم قدرتها التاريخية على احتكار العنف المشروع، يبدو تعدد القوات والولاءات المسلحة نتيجة طبيعية لمسار طويل من الحروب والانقلابات والصراعات السياسية والاجتماعية. ولذلك فإن إنهاء تعدد الجيوش لا ينبغي أن يُفهم باعتباره عملية عسكرية منفردة، وإنما باعتباره جزءاً من عملية أكبر لإعادة بناء الدولة، وضبط علاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة والمجتمع والاقتصاد والقانون.
فالعودة من الحرب، مهما كانت طبيعة التسوية التي تنهي القتال، لن تعالج وحدها أزمة تعدد الجيوش والمليشيات ومسببات نشوئها. وقد توقع الدولة اتفاقات سلام، وتوقع بروتوكولات أمنية وعسكرية، وتعلن ترتيبات للدمج والتسريح وإعادة الانتشار، لكن إذا بقيت الأسباب التي أنتجت تعدد القوة المسلحة قائمة، فإن السودان قد يعود مرة أخرى إلى النقطة نفسها: حرب، ثم سلام، ثم حرب أخرى، في دائرة ظلت تتكرر بأشكال مختلفة.
الجيش الوطني الواحد، رغم أهميته، لا يحل المشكلة بمجرد توحيد القوات تحت قيادة واحدة. فقد تتوحد التشكيلات المسلحة بينما تبقى الثقافة العسكرية ذاتها، وتظل العلاقة مع السياسة والاقتصاد على حالها، وتبقى المؤسسة العسكرية طرفًا في التنافس على السلطة. عندها نكون قد وحّدنا البنية ولم نغيّر طبيعة الدور.
فالجيش المهني ليس فقط جيشاً يمتلك قيادة واحدة وتسلسلاً واضحاً، وإنما مؤسسة تخضع للدستور والقانون، وتستمد عقيدتها من المبادئ الوطنية المتوافق عليها، وتلتزم بقرار السلطة المدنية، ولا تتحول إلى طرف في الصراع على الحكم. وفي الدولة الديمقراطية لا يعني إبعاد الجيش عن السياسة حرمان العسكريين من حقوقهم كمواطنين، وإنما يعني الفصل بين المؤسسة العسكرية والتنافس السياسي على السلطة.
من الطبيعي أن يظل الجيش مؤسسة مؤثرة، لأنها الجهة التي يفترض أنها تحتكر العنف المشروع في الدولة بحكم وظيفته، ولكن للانتقال من دولة يتحكم فيها السلاح بالسياسة إلى دولة تحكم فيها المؤسسات العلاقة بين السلاح والسياسة، هناك أسئلة كثيرة تتناسل عشية السلام المرتقب، وتمثل مؤشرات لما سيؤول إليه الوضع، ودون الإجابة عليها سنظل "محلك سر". ففي كل دساتير الدول المدنية تظل الجيوش خاضعة للقرار السياسي وإنفاقها خاضع للرقابة التشريعية، حتى إعلان الحرب هو قرار سياسي يمثل الجيش جزءاً رئيسياً فيه ولكنه متصل بكل مؤسسات الدولة التشريعية والاقتصادية والإعلامية، وغيرها من الأوجه التي تحدد إذا ما كان الجيش الذي نريد مؤسسة تحمي الدولة ودستورها المتفق حوله أم سيظل مركز صناعة القرار السياسي فيها.
وهناك قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي الاقتصاد العسكري. فقد جعلت الحروب الداخلية في السودان الاقتصاد جزءاً أساسياً من معادلة القوة، وأصبحت الموارد الطبيعية والتجارة والشركات والمنافذ وسلاسل الإمداد وشبكات التمويل مرتبطة، بدرجات مختلفة، بالنفوذ السياسي والأمني. ولذلك فإن إصلاح المؤسسة العسكرية لا يمكن أن يكتمل إذا بقي الاقتصاد العسكري خارج قواعد الشفافية والرقابة.
لا يعني ذلك إضعاف الجيش أو حرمانه من موارده المشروعة، وإنما يعني وضع قواعد واضحة تفصل بين الموارد التي تحتاج إليها المؤسسة لأداء وظيفتها وبين النشاط الاقتصادي الذي يمكن أن يتحول إلى مصدر مستقل للقوة السياسية. فالجيش الذي يمتلك السلاح والنفوذ السياسي والاقتصادي معاً يصبح أكثر صعوبة في الخضوع للسلطة المدنية، وتتحول المؤسسة من أداة لحماية الدولة إلى مركز قوة قادر على التأثير في اتجاهاتها.
واحدة من الأسئلة التي ظلت متصلة بحروب السودان وباتفاقيات السلام التي وقعت في فترات سابقة، هي كيفية التعامل مع الجيوش التي خاضت القتال ضد الجيش أو تلك التي ساندته. ففي كل اتفاقيات السلام السابقة كانت البروتكولات الأمنية والعسكرية، ابتداءً من اتفاقية أديس أبابا 1972 وحتى آخر الاتفاقيات، كان الاتجاه هو التعامل مع القوات المناوئة للجيش بشكل رئيسي في تصميم برامج نزع السلاح وإعادة الدمج والتسريح.
الواقع أكثر تعقيداً بعد حرب أبريل، فكثير من المليشيات والجيوش غير النظامية، تتجاز ال100 تشكيل قتالي، تربط بشكل أو آخر بالجيش أو بقوات الدعم السريع. فالأمر لا يتعلق الآن بجنود ينتمون لفصيل يحارب الجيش السوداني، وإنما بتشكيلات مسلحة وهياكل قيادية ومصالح اقتصادية ومناطق نفوذ وحركات مسلحة ذات اتفاقات سياسية سابقة، فضلًا عن انتشار السلاح بين المجتمعات المحلية والمدنيين. ولهذا فإن نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج لا يمكن أن يكون مجرد عملية لتجميع الأسلحة وإخراج المقاتلين من الميدان.
قد يبدو استيعاب أعداد كبيرة من المقاتلين داخل القوات النظامية حلاً سريعاً، لكنه سيتحول إلى مشكلة جديدة إذا قام على المحاصصة أو الولاءات السياسية أو الوزن العسكري السابق. فالجيش الوطني لا ينبغي أن يصبح تجمعاً للقوى التي خرجت من الحرب، وإلا فإن الحرب قد تنتقل من الميدان إلى داخل المؤسسة العسكرية.
لهذا يجب أن يخضع الدمج لمعايير مهنية واضحة تتعلق بالتدريب والكفاءة والرتبة والسجل القانوني والقدرة على أداء الخدمة، لا بحجم القوة التي كان يمثلها الشخص أو الحركة التي ينتمي إليها. أما من لا تنطبق عليهم شروط الخدمة العسكرية، فينبغي أن يكون لهم مسار واضح للتسريح وإعادة الإدماج المدني.
كل ذلك سيظل رهيناً بطبيعة الدولة التي سيتم تحت مظلتها هذا الإجراء وعلى وضوح عقيدتها الشاملة. فالدولة القوية ليست تلك التي تمتلك أكبر عدد من الجنود والأسلحة، وإنما التي تستطيع إدارة خلافاتها دون حرب، وتغيير حكوماتها دون انقلاب، وتطبيق القانون دون تمييز، وحماية مواطنيها دون تحويلهم إلى خصوم. والجيش القوي لا يتناقض مع الدولة المدنية، بل يحتاج إليها مثلما أن الدولة المدنية تحتاج إلى جيش مهني قادر على حماية حدودها وسيادتها.
