تم التحديث: ١ أكتوبر ٢٠٢٦ 15:39:33
بركة ساكن: سؤال المشروع الكتابي بين البلاد الكبيرة والمهجر
كنتُ محظوظًا جدًا أن أكون بين الحضور في اليومين الأخيرين من مهرجان كوندو الأدبي في نيروبي، الذي انعقد تحت شعار «البحر والكتابة والصمت»، واستضافه المركز الثقافي الكيني التابع لجامعة نيروبي العريقة، بمشاركة عدد كبير من الكتّاب والأدباء والمترجمين من أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا. امتدّ المهرجان بين معرض للكتاب، وفعاليات لتوقيع الإصدارات، وحوارات جماهيرية مع ضيوف المهرجان، إلى جانب حفلات الموسيقى والتراث، في مشهد بدا فيه الأدب أقلَّ انعزالًا عن الحياة، وأكثر التصاقًا بالأسئلة التي تتحرك بين القارات واللغات والذاكرة.
وكان السودان حاضرًا في هذا المشهد عبر مشاركة دار الريس للطباعة والنشر، والروائي عبد العزيز بركة ساكن، الذي حظيت رواياته الأخيرة، ومن بينها «سمهاني»، بإقبال واضح من جمهور المهرجان، فضلًا عن مشاركة الناقد والمترجم والأكاديمي المعروف الدكتور أحمد الصادق برير، الذي أدار وترجم بعض الجلسات الحوارية.
لكن حضور بركة ساكن في نيروبي لم يكن، بالنسبة لي، مجرد مناسبة أدبية عابرة. فقد بدا المهرجان فرصة لإعادة طرح سؤال قديم ومتجدد حول علاقة الكاتب بالأمكنة التي صنعت تجربته الأولى، وحول ما يحدث للنص حين تتسع المسافة بين الروائي والعالم الذي كان يكتب عنه.
بعد خروجه الأخير من السودان واستقراره في أوروبا، يبدو أن علاقة بركة ساكن بالعوالم التي شكّلت تجربته الروائية الأولى قد تغيّرت. تلك العوالم التي كتب عنها في «امرأة من كمبو كديس»، و«ثلاثية الطواحين»، و«الجنقو» وغيرها، لم تكن مجرد خلفية مكانية للرواية، بل كانت مادة السرد نفسها: حياة الناس العاديين، وأجسادهم، وأحلامهم الصغيرة، وعلاقاتهم المعقدة، ولهجاتهم، ومخاوفهم، ومصائرهم التي تتقاطع مع الفقر والهامش والعنف والسلطة والحب والخسارة.
كان بركة ساكن، في تلك الأعمال، قريبًا من الشخصيات التي يكتب عنها، لا بمعنى القرب الجغرافي وحده، وإنما بمعنى المعرفة الحسية والاجتماعية بالعالم. كان يعرف كيف تتحرك الشخصية داخل المكان، وكيف تتكلم، وكيف تنظر إلى نفسها وإلى الآخرين، وكيف تنتج اللغةُ حياتها الخاصة داخل الرواية. ولهذا اكتسبت أعماله الأولى تلك النبرة التي جعلت كثيرًا من القراء يرون فيها محاولة نادرة لفتح الرواية السودانية على عوالم اجتماعية ظلت طويلًا خارج مركز السرد.

غير أن شيئًا ما تغيّر.
في أعماله الأخيرة، اتجه بركة ساكن بصورة أكثر وضوحًا نحو الرواية التاريخية، وصولًا إلى «سوق النشر». وهنا يبرز سؤال لا يتعلق بالرغبة في محاكمة الكاتب أو مطالبته بالبقاء أسيرًا لعوالمه الأولى، وإنما بمحاولة فهم التحول نفسه: هل يمكن لكتابة التاريخ روائيًا أن تكون، بالنسبة إلى الروائي، بديلًا أو تعويضًا عن كتابة التجربة الحية والواقع اليومي الذي كان قريبًا منه؟ أم أن الانتقال إلى التاريخ يمثل تحولًا جماليًا وفكريًا مستقلًا، لا علاقة له بالمسافة التي نشأت بين الكاتب والعوالم السودانية التي كتب عنها طويلًا؟
كان هذا السؤال محورًا أساسيًا في الجلسة الحوارية التي نظمها نادي القصة السوداني، بعد جلسة أولى نظمها الغاليري النوبي للتشكيليين السودانيين، وجلسة ثالثة أقيمت على هامش مهرجان نيروبي الأدبي.
جاءت إجابة بركة ساكن ذكية، كما هي عادته في إدارة الأسئلة المحرجة وإعادة ترتيبها داخل منطقه الخاص، لكنها، بالنسبة إلى عدد من النقاد والمتابعين لمشروعه الكتابي، لم تكن مقنعة تمامًا.
فبركة ساكن يرى، بحسب ما يمكن استخلاصه من إجابته، أن هناك مشروعين جماليين متوازيين في تجربته الروائية؛ الأول يمكن وصفه بمشروع «البلاد الكبيرة»، بما له من خصوصيته وأساليبه ولغته وعوالمه وشخصياته، وهو المشروع الذي ارتبط بصورة أساسية بالسودان ومجتمعاته وهامشه الاجتماعي والثقافي. أما الثاني، فهو ما يمكن تسميته «رواية المهجر»، وهي رواية تستند بدرجة أكبر إلى التاريخ ومصادره، وإلى تنوع أساليب السرد، وإلى الاشتغال على أزمنة وأمكنة تتجاوز التجربة المباشرة للكاتب.
هذه الثنائية تبدو، للوهلة الأولى، مقنعة؛ إذ ليس من الضروري أن يظل الكاتب يكرر نفسه، ولا أن يظل أسيرًا للمكان الذي كتب منه أعماله الأولى. فالكاتب، مثل أي كائن حي، يتغير، والسفر يغيّر زاوية النظر، والمنفى يعيد ترتيب الذاكرة، والمسافة قد تمنح الكاتب قدرة جديدة على رؤية المكان الذي كان يظن أنه يعرفه.
لكن المشكلة تبدأ حين يصبح التاريخ نفسه بديلًا عن الحاضر، لا باعتباره اختيارًا جماليًا فحسب، وإنما باعتباره مسافة آمنة من واقع لم يعد الكاتب قادرًا على الاقتراب منه بالطريقة ذاتها.
فالروائي الذي غادر المكان لا يفقد بالضرورة علاقته به، لكنه يفقد شيئًا من شروط المعايشة اليومية. الأصوات التي كانت تصل إليه من الشارع، والحوارات العابرة، وتفاصيل الأسواق، ووجوه العمال، والقرى، والحانات، والمقاهي، والنساء والرجال الذين يصنعون حياتهم في الهامش، تصبح مع الوقت ذاكرة. والذاكرة، مهما كانت حية، ليست هي التجربة نفسها.
هنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: هل يكتب بركة ساكن التاريخ لأنه اكتشف فيه إمكانات جمالية جديدة، أم لأن الحاضر الذي كان يمنحه مادته الروائية الأولى أصبح بعيدًا، وربما عصيًا على الاستعادة؟
قد يكون الجواب في مكان آخر: ربما لا يتعلق الأمر بالهروب من السودان، وإنما بإعادة اختراعه. فالتاريخ ليس نقيضًا للواقع، بل أحد أشكاله العميقة. وقد يكون انتقال الكاتب إلى التاريخ محاولة للبحث عن جذور الحاضر، وعن الشخصيات والأحداث والوقائع التي صنعت السودان الحديث، بدل الاكتفاء بتسجيل أعراضه الراهنة.
تظل المسافة الأوروبية حاضرة في تجربة بركة ساكن الجديدة، حتى لو لم تكن هي السبب المباشر في هذا التحول. فالكاتب في المهجر لا يكتب فقط من مكان آخر؛ إنه يكتب من علاقة أخرى بالمكان الأول. السودان الذي كان في السابق شارعًا وقرية وسوقًا وجسدًا وصوتًا، يتحول تدريجيًا إلى ذاكرة وأسئلة وتاريخ. ومن هنا ربما تأتي أهمية التمييز بين «رواية المهجر» بوصفها موقعًا جغرافيًا، وبينها بوصفها حالة جمالية؛ فالمهجر ليس بالضرورة أن يكون مكان الإقامة، وإنما قد يصبح طريقة في النظر إلى الوطن.
ومع ذلك، فإن قوة بركة ساكن الروائية ارتبطت، في جانب كبير منها، بقدرته على الاقتراب من الإنسان العادي، لا بوصفه موضوعًا اجتماعيًا، وإنما بوصفه مركزًا للخيال الروائي. ولذلك فإن انتقاله إلى التاريخ يظل اختبارًا حقيقيًا لمشروعه: هل يستطيع أن يحمل تلك الروح ذاتها إلى التاريخ؟ وهل يستطيع أن يجعل الشخصيات التاريخية تعيش داخل النص بالحميمية نفسها التي عاش بها أبطال «الجنقو» و«ثلاثية الطواحين» و«امرأة من كمبو كديس»؟
ربما لا ينبغي أن نطالب بركة ساكن بالعودة إلى ما كتبه سابقًا، فالتكرار قد يكون موتًا مبكرًا للكاتب. لكن من حق القارئ، في المقابل، أن يسأل عن الخيط الخفي الذي يصل بين بركة ساكن الذي كتب عن الهامش السوداني، وبركة ساكن الذي يكتب الآن عن التاريخ.
فالمسألة في النهاية ليست: هل غادر بركة ساكن السودان؟ وإنما: ماذا فعل السودان داخل بركة ساكن بعد أن غادره؟
ذلك هو السؤال الذي ظل معلقًا في هواء نيروبي، بين البحر والكتابة والصمت.


