27/07/2023

حرب أبريل ومتاهة الجنرالات: ليس بالحرب وحدها ينتصر الإنسان

عبدالرحمن العاجب

دخلت حرب أبريل التي اندلعت في صبيحة الخامس عشر من ذات الشهر، شهرها الرابع، ولازال السودانيون منقسمون إلى فريقين، فريق داعم لاستمرار الحرب وحسمها عسكرياً، وفريق رافض لاستمرار الحرب ويطالب بحسمها عبر التفاوض والحل السلمي، وما بين مواقف الفريقين ظل الواقع كما هو عليه ولم يستطيع فريق أن يحسم الأخر عسكرياً حتى الآن.

الحالة الروسية في رواية الحرب والسلام لا تختلف كثيرًا عن الحالة السودانية لجهة أن السودان شهد حروباً امتدت لأكثر من ست عقود ولن تهدأ له بندقية منذ استقلاله في منتصف القرن المنصرم وحتى حرب أبريل الحالية التي خاضها الجنرالين ظناً منهم أن أحدهم سيقضي على الآخر في ست ساعات، وخاب ظنهم ودخلوا في متاهة حرب أبريل اللعينة.

تروي رواية “الحرب والسلام” لمؤلفها الرائع “تلستوي” قصة المجتمع الروسي في عهد نابليون، وتعتبر من أعظم الروايات العالمية. كانت تدور فصولها وأحداثها في بداية القرن التاسع عشر، مع اجتياح القائد الفرنسي الشهير “نابليون بونابورت” الذي لمع نجمه إثر انتصاره على الجيوش النمساوية، واجتاح الأراضي الروسية ودخل موسكو وانسحب منها بعد الخيبة والفشل في مواجهة الشتاء الروسي القارس، بعد أن رفض القيصر الروسي “ألكسندر” الأول الاستسلام.

وتدور فصول الرواية حول مساوئ الحرب وتعتبر مهمة لكل المهتمين بقضايا الحرب والسلام، وعلينا أن نستفيد منها كما استفاد منها الشعب الروسي وبالتأكيد نحن بحاجة حقيقية لـ”تلستوي” سوداني تنجبه “حواء” السودانية يرسم لنا بقلمه رواية واقعية تحكي عن الحروب التي عاشتها بلادنا منذ تاريخها القديم والحديث والوطني وحتى حرب أبريل الحالية، ليصل السودانيون جميعاً والذين شهدت بلادهم حروبا امتدت لأكثر من ست عقود إلى حقيقة أنه ليس بالحرب وحدها ينتصر الإنسان.

وفيما يبدو أن الصفوة والمثقفين والنخب السياسية والجنرالات، لم يستفيدوا من أخطاء الماضي ولم يصلوا لقناعة أن الحرب بكل تأكيد لا تعرف المنطق الذي يعصم العقل من الوقوع في الخطأ، وأنها دائماً تجلب الدمار والخراب أينما وقعت أو اندلعت حيث قال عنها “تشارلز” قولته المشهورة” أعطوني المال الذي تم إنفاقه في كل الحروب وسوف أكسو كل طفل في العالم بملابس الملوك التي يفتخرون بها”.

وعلينا أن نستفيد من هذه العبر والحكم من خلال النظر لواقعنا السوداني. وهنا يبرز سؤال منطقي كم أنفقنا في الحرب منذ استقلال السودان وحتى الآن؟ بالتأكيد الأموال التي أنفقت في الحرب خلال تلك السنوات الماضية في حال توظيفها في التنمية ستجعل من سوداننا الحبيب “جنة الله في الأرض” بكل تأكيد.

وينشد السودانيين السلام اليوم قبل غداً، ويعتبر السلام من القيم السامية التي دعا لها الحكماء والفلاسفة القدماء وقالوا عنه مقولات كثيرة منها “الانتصار الحقيقي والدائم هو الانتصار بالسلام وليس بالحرب”، فيما قال عنه آخرون وبينهم مارتن لوثر كينغ أن “السلام الحقيقي ليس مجرد انعدام التوتر بل هو وجود العدالة”، بينما قال عنه فريدرك نيشته “لا نوم هنئ بلا سلام”.

ومن الأقوال العسكرية في الحرب إن “الحقيقة هي الضحية الأولى”، وهذا يتضح جلياً من خلال الاتهامات التي يتبادلها الخصوم أثناء الحرب وعادة ما تغيب الحقائق أثناء الحروب ومن ثم أن “النيران القادمة لها الحق في المرور”، وهذا يتضح من خلال الضحايا الذين يسقطون في الحروب. ويبدو هذا واضحاً خلال الواقع الذي عاشته مناطق عديدة في السودان منذ ما قبل الاستقلال وحتى الآن، حيث شهدت مناطق عديدة حروباً خلفت آلاف القتلى منذ حرب الجنوب مروراً بحرب شرق السودان ومروراً بدارفور، والحرب في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، فضلاً عن حرب أبريل التي تشهدها البلاد حالياً.

حسناً، يحتم الواقع الذي فرضته حرب أبريل اللعينة على الجنرالين المتحاربين، وفرقاء السياسة السودانية ممثلين في الأحزاب السياسية، وحركات الكفاح المسلح الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، بجانب حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، والحركة الشعبية بقيادة عبدالعزيز أدم الحلو، يحتم الواقع الماثل على هؤلاء ضرورة الجلوس إلى طاولة حوار واحدة بغرض التوصل إلى اتفاق حد أدنى يفضي الى استقرار سياسي واجتماعي واقتصادي، يقود إلى تأسيس سودان جديد، يجعل أطفالنا القادمين يحلمون بعالم سعيد.

السودان الجديد الذي ننشده لا يتم بمعزل عن الشعب السوداني بمختلف مكوناته الاجتماعية والثقافية والدينية التي يجب أن تدعم الجبهة المدنية العريضة لوقف الحرب التي تقود في نهاية المطاف إلى تأسيس سودان جديد يكون فيه كل المواطنين السودانيين مهتمين بقضايا بعضهم البعض ولديهم إحساس مشترك ووجدان مشترك، وحينها سيكون الوطن مشتركاً بينهم بكل تأكيد وحقيقة مطلقة.

علينا أن نعمل كسودانيين وندعم تكوين جبهة مدنية عريضة تعمل من أجل وقف الحرب، ونقول للجنرالين (أرضاً سلاح.. ليس بالحرب وحدها ينتصر الإنسان) وتعالوا لننتصر لشعبنا العظيم بتحقيق شعارات ثورة ديسمبر المجيدة المتمثلة في الحرية والسلام والعدالة والتي ستضع الأساس المتين والقوي لرفاهية الشعب والعبور إلى الضفة الأخرى حيث الدولة المدنية الديمقراطية دولة المواطنة والحقوق المتساوية والعدالة الاجتماعية والرفاهية للشعب السوداني.

معرض الصور