06/08/2023

لا للحرب.. تجميد للحياة في السودان

خالد ماسا

لا يحتاج المرء لاختلاق الأسباب وصُنعها حتى يثبت بذلك قباحة وجه الحرب وضرورة مواجهتها بموقف لا للحرب؛ لأن الفطرة السليمة، وبشكل طبيعي، تحرك الجهاز المناعي ضد فيروس الحرب.

توفر حالة الحرب البيئة المثالية لانتشار فيروس الانتهاكات وتكاثرها، وتُطلق يد الاستثمار في المناخ الذي توفره بقوانينها التي تُفرض مع أول رصاصة تنطلق، لتصيب ماقبلها من قوانين كان لها الحق والفضل في توصيف ماهو جريمة وماهو انتهاك.

اجتمعت المجتمعات على الاتفاق على أن تلك القوانين بمثابة العقد الذي يحافظ عليها ويضبط العلاقات في مابين مكوناتها، وتؤسس، بالتالي، لمفهوم المواطنة الذي تنعقد به الحقوق والواجبات في الدولة.

حالة الحرب هي الحد الأعلى من الظرف الطارئ الذي بموجبه تُعلق قيم الدساتير و القوانين التي اجتهدت فيها الإنسانية ليكون الكون مكاناً مناسباً للتعايش بتقاسم محترم للحقوق والواجبات.

القراءة في حزمة الأخبار والتقارير ذات العلاقة بالسودان، منذ اندلاع حرب منتصف أبريل وحتى الآن، وبعيون حساب التكاليف، يدفع بأكثر من مُبرر للدعوة للاصطفاف خلف شعار لا للحرب انتصاراً لقيمة الحياة في حد ذاتها بعيداً عن تخيلات الانحياز لأي طرف من أطراف الحرب.

الحرب هي التي تكتب الآن تقارير وزارة الصحة الاتحادية التي تصف الحالة العامة للنظام الصحي في السودان، وقد كان قبل الحرب بالكاد يقف على قدمي الإمكانات والمساعدات ليواجه احتياجات المواطنين العلاجية في بلد غُلّت يد ميزانيتها عن الصرف على الصحة.

الحرب، ولاشيء غيرها، هي التي فرضت تناقُص عدد المرافق الصحية العاملة في السودان، وفرضت الواقع المأساوي للذين يعانون من الأمراض المزمنة، وحرمتهم من وصول الأدوية والكوادر الطبية وتقديم الحد الأدنى من الخدمات الصحية، وفرضت على أهل السودان النزوح واللجوء.

الاستماع لنداءات لا للحرب بأذن الموقف السياسي والعسكري هو الذي يقود فصيل من المنادين باستمرارها لمحاولة شيطنة النداء الإنساني بالدرجة الأولى وتوصيفه بأنه منطقة للحياد السلبي.

توصيف الأوضاع في سودان مابعد الحرب من قبل منظمة كالأمم المتحدة، وقولها بإنه صار أصعب الأماكن في العالم من ناحية الأوضاع الإنسانية، وأن أكثر من نصف سكانه صاروا في حاجة مُلحة للمساعدات الغذائية، يجعل من موقف لا للحرب هو الانحياز الصريح والواضح لما هو أكثر وعياً من الإصرار على أن تظل المواقف في هذه الحرب محصورة فقط في حدود القصور الواضح للانحياز لأحد طرفي الصراع.

شيطنة موقف لا للحرب ما هو إلا محاولة صريحة للابتزاز الوطني، تدفع الذين يواجهون تكلفة الحرب من صحتهم وأموالهم وأمنهم لاختيار المواقف التي يتبناها من منعهم ضعف البصيرة الإنسانية من إدراك حجم الخسائر الوطنية في السودان جراء استمرار الحرب.

لاللحرب موقف متسق مع قطع الطريق أمام اتساع رقعة الانتهاكات التي تطال المدنيين، وخطوة باتجاه رتق الفتق الوطني الذي اتسع بخطاب الحرب الذي دمر البنية التحتية في السودان، وطالت يد خرابه كل مكونات البناء الاقتصادي، وتتسع زاوية بصيرة هذا الشعار لأوسع من أن يكون موقفاً يعمل على ترجيح كفة طرف على الآخر أو أن يدركه من الموت وخسارة المعركة.

الاستثمار في المناخ الذي تصنعه الحرب جعل بعض الأطراف منزعجة من دعاوي إيقاف الحرب؛ لأن الحرب هي التي تفتح لهذه الأطراف الباب لتصفية كل الحسابات السياسية، السابق منها واللاحق، تحت غطاء تفسير موقف لا للحرب بحسب هوى الأجندة والرغبات.

لا للحرب هو دليل الوعي الكامل بالتكاليف الكُلية التي تصنعها الحرب في السودان، على مداها البعيد والقصير، والتي لاطاقة لإنسان هذا الوطن بها، ولا اقتصاده، ولا نظامة الصحي، ولاحتى تركيبته الاجتماعية؛ وهو إعلان الرغبة في الحفاظ على طريق إصلاح مؤسسات الدولة والاتفاق على الشروط الوطنية لبناء الدولة السودانية.

معرض الصور