07/08/2023

ما الذي تبقى من صناعة السودان؟

يوسف حمد

على عقود ماضية كان السودانيون فخورين بمستوى معقول من الصناعة المحلية. ولطالما امتلك السودان قاعدة صناعية واسعة، وعدّ هذا البلد الغني من بين أكبر البلدان الأفريقية من حيث قاعدة الصناعات التحويلية.

لكن هذا الفخر أخذ يتبدد مع السنوات، إلى أن حلّ الدمار الكامل ببنية الصناعة جراء الحرب التي اندلعت في أبريل الماضي بين قادة الجيش وقوات الدعم السريع. وكان مسرحها العاصمة الخرطوم هذه المرة.

واستهدفت الحرب، إلى جانب منازل السكان والمؤسسات والمنشئات الكثيرة، المباني الصناعية بشكل مأساوي مباشر، ويبدو كما لو أنه استهداف متعمد يترافق مع المعوقات الكثيرة التي لازمت هذا القطاع.

وفي الأصل، اندلعت الحرب ببين الطرفين بدوافع الاستحواذ على السلطة، لكن سرعان ما أصبحت شاملة وتجري وسط الأحياء وخارج المناطق العسكرية، وتجد دعمها السخي من عناصر تنظيم الإخوان المسلمين الراغبين في عرقلة مساعي ثورة ديسمبر 2018 والعودة إلى حكم البلاد مرة أخرى.

وفي العاصمة الخرطوم، شهدت البنية الصناعية والمصانع استهدافا بالحرق والتدمير والسرقة، مثل المنطقة الصناعة بمدينة بحري. وهي منطقة تحوي أماكن الصناعات التحويلية، وقد أنشئت منذ ستينيات القرن الماضي.

وترافق مع القصف العنيف الموجه من الجانبين المتقاتلين انتشار كثيف للصوص الذين سرقوا كل شيء، بما في ذلك أجزاء الماكينات ومخازن مواد الخام والإنتاج. وليس من المتوقع أن تعود تلك المصانع إلى ما كانت عليه في القريب المنظور.

وإلى جانب منطقة بحري الصناعية، اشتهرت مناطق صناعية أخرى في العاصمة، كانت قبل أن تصلها الحرب قادرة على تلبية احتياجات البلاد بشكل معقول من الأدوية والزيوت والصابون والمأكولات والمشروبات الغازية والألبان، إلى جانب الدهانات ومعدات البناء والكيماويات والمعدات الزراعية والملبوسات وصيانة السيارات. لكنها الآن مدمرة بالكامل.

وفي الواقع، لم يبدأ انهيار البنية الصناعية مع حرب أبريل فقط؛ فقد بدأت قبل ذلك بعقود في ظل نظام الإنقاذ (1989- 2018)، وذلك لصالح إعادة التعبئة والنشاط التجاري الذي يعتمد على الاستيراد وتصدير المواد الخام، بدءا من تصدير المنتجات الزراعية والحيوانية، وصولا إلى تصدير الذهب والبترول والمعادن.

وقال وزير الصناعة والتجارة في الحكومة الانتقالية، مدني عباس مدني، في وقت سابق إنَّ مساهمة الصناعة في السودان في الاقتصاد القومي يقدر بأقل من 20%، وفي الصادرات لا يتجاوز 3% في أحسن الأحوال، في ظل عدم وجود بنية تحتية أو دعم للمنتج المحلي. فيما حققت الصناعة التحويلية حوالي 7%.

َوقال مدني إن المصانع كانت متوقفة لأسباب متعددة ومختلفة، منها عدم وجود سياسات حماية للمصانع الوطنية، وأدى ذلك إلى إغراق السوق بالسلع المستوردة.

وشرعت الحكومة الانتقالية برئاسة عبد الله حمدوك في تنفيذ مشاريع المدن الصناعية بناء على القيمة النسبية لكل إقليم من أقاليم السودان، وكذلك مشروع المسح الصناعي لتقييم الوضع والإمكانيات المتاحة والطاقات المتعطلة.

ورغبة منها في النهوض بالصناعة وحمايتها، عرضت حكومة حمدوك قانون الصناعات باعتباره أول قانون للصناعات في البلاد. لكن كل ذلك تعطل بسبب انقلاب ٢٥ أكتوبر.

وتبعا لسياسات نظام الإنقاذ اضمحلت الصناعة حتى في الأقاليم ومدنها الكبرى، ولم تصمد إلا صناعات طفيفة لا يمكن الإشارة إليها، وواجهت إشكالات متعلقة بالطاقة والبيئة الصناعية والرسوم والجبايات والقوانين وفساد السياسات.

وحتى أواخر الثمانينيات كانت الدولة تمتلك نسبة عالية من الصناعات، لكن هذه النسبة أخذت تتقلص لصالح ارستقراطية مدينية ورأسمالية محلية ناشئة اشتهرت منها في تلك الحقبة عائلات مثل الشيخ مصطفى الأمين والنفيدي والهلالي، قبل أن تتراجع لصالح الرأسمالية التجارية المرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين.

وفي الوقت الراهن، لا يمكن إحصاء المصانع التي تهدمت كليا بسبب القصف الذي استهدفها، نظرا لاستمرار المواجهات بين الطرفين، وبات من المستحيل الاقتراب منها والتقاط الصور التي تعكس حجم الدمار الذي تعرضت له.

وفي هذا الوضع بات من المعتاد رؤية المنتجات الإثيبوية والمصرية وهي تنتشر بشكل لافت في أسواق الأقاليم والقرى البعيدة، مستفيدة من تداعيات الحرب في الخرطوم وتناقص المخزون المحلي من السلع الصناعية الاستهلاكية.

ومذ 2015 جرى التوقيع على اتفاقية التجارة التفضيلية بين السودان وإثيوبيا، وهي الاتفاقية التي تلغي الحواجز بين البليدن وتسهل عمليات التجارة. وتقول الإحصائيات التجارية، 2013، إن الصادرات السودانية إلى إثيوبيا وصلت إلى 51,3 مليون دولار، فيما بلغت قيمة الواردات من إثيوبيا 29,9 مليون دولار.

وقبل ذلك كان رأس المال السوداني المستثمر في إثيوبيا قد وصل إلى 2,4 مليار دولار. وقالت وزارة الصناعة الإثيوبية أن عدد الشركات السودانية في إثيوبيا بلغ 800 شركة تعمل في مجالات تجارية متعددة.

وفي ديسمبر 2022 ألمحت الخارجية الإثيوبية إلى رغبتها في مراجعة اتفاقية التجارة التفضيلية مع السودان، نسبة للمتغيرات التي  طرأت في الجوانب السياسية والاقتصادية منذ توقيع الاتفاقية.. أما الآن فإن الطارئ السياسي والاقتصادي أصبح كبيرا بما لا يقاس!

معرض الصور