27/08/2023

يا ريتها وقفت على (الجداد)

محمد عبد الماجد
حكى الطيب صالح عبقري الرواية العربية مرة في إحدى كتاباته (الموسيقية)، وأنا أسميّ نثره لحناً، وتطربني كتاباته كما تطربني شجن (عثمان حسين) وليه بتسأل عني تاني (إبراهيم عوض) وخاف من الله (محمد وردي)، حتى ونحن في تلك الظروف التي لا نسمع فيها غير صوت الرصاص.

يقول الطيب: (حين سألت الكاتبة الهندية (ارندهاتي روي) عن فوزها بجائزة (بوكر) وهي الجائزة الأدبية الكبرى في بريطانيا لأحسن عمل روائي وليس لأحسن كاتب، وتوازي جائزة الـ(بري قنكور) في فرنسا، وجائزة (بولتزر) في أمريكا وتخصص للكتّاب باللغة الإنجليزية من بريطانيا ودول الكومنولث قالت:
(بالنسبة لي، هذه الجائزة هي عن الماضي وليس عن المستقبل، لا أنكر أنني سعيدة بالفوز، ولكن الجوائز وتقريظ النقاد، أمور تخص القراء أكثر مما تخصّ الكاتب).

وعندما سألتها المراسلة ماذا سوف تفعلين بالقيمة المالية للجائزة؟ قالت:
(مسألة المال مسألة مُعقّدة، خاصةً في الهند. إنها تضع عليّ مسؤولية كبيرة. لكنني لن أفعل شيئاً، فقط لأخفف إحساسي بالذنب).

غريبٌ أمر هذه الكاتبة الهندية، وتبدو الغرابة في أنّ فوزها بجائزة كبرى لم يعنيها في شيءٍ، لأنها كما قالت إنّ جائزتها من الماضي وهي يعنيها المستقبل.

(ارندهاتي روي) لا تعرف أنّنا في السودان ما زلنا نقف عند فوز منتخبنا الوطني ببطولة الأمم الأفريقية سنة 1970. ونحن الهلالاب مازل إنجازنا الأكبر الذي نفتخر به هو وصول الهلال للنهائي الأفريقي سنة 1987م، علماً بأنّ الأهلي المصري الذي كان مُنافساً للهلال في تلك المباراة كان قد فاز مرة واحدة باللقب قبل ذلك النهائي، ليفوز بعد ذلك تسع مرات باللقب الذي اكتفى الهلال منه بعد ذلك بالوصول للنهائي مرة واحدة أمام الوداد المغربي في عام 1992م.

والمريخاب لم يتزحزحوا من فوزهم بكأس الكؤوس الأفريقية 1989م، مع ذلك هم يطلقون على فريقهم صاحب البطولات المحمولة (جوّاً)، تشفُّعاً وبما حقّقه الفريق من (كأسات) في بطولة شرق ووسط أفريقيا (سيكافا).

قولوا للكاتبة الهندية (ارندهاتي روي) إنّ المنتخب القطري عندما فاز ببطولة الأمم الآسيوية احتفلنا نحن في السودان وابتهجنا لهذا الفوز واعتبرناه إنجازاً لنا، لأنّ المنتخب القطري يلعب له (7) لاعبين من أصول سودانية.

كفانا من الفخر ذلك!!
هذا منتهى التواضع.

مع هذا لا اتّفق مع (ارندهاتي روي) في استخفافها بالتاريخ لهذا الحد.. والمُستقبل تخرج دوافع النجاح فيه وتقترب من ذلك أو تبتعد من الخلفية التاريخية.. وكلّما كان تاريخك عظيماً، كان ذلك مُحفِّزاً لنجاح أكبر في المُستقبل أو العمل على الأقل للمُحافظة على ما تحقّق في الماضي.

والتاريخ هو في حقيقة الأمر قراءةٌ للمستقبل.. وزنك وتقييمك ودرجاتك في الملاكمة والتنس وكرة القدم تُؤخذ من تاريخك.. وما شهادة (الخبرة) التي تشترط في التقديم والالتحاق بالعمل والترقي فيه، إلّا (تاريخ) عن سيرتك العملية وهي في النهاية عنوانٌ لك.

الإنسان عبارة عن تاريخ، نحن لا نملك المُستقبل ولا نعرف الحاضر، وهذا غير التاريخ الذي تكشف صحائفه موقعك وأين أنت الآن؟ المُستقبل في الغالب يبقى امتداداً للتاريخ.

غير أنّ الذي أدهشني في (ارندهاتي روي) حقاً، رفضها الاستمتاع بقيمة الجائزة (المادية) في الهند احتراماً لفقر الشعب الهندي، فهي تتحدّث عن الجائزة وتقول عنها: (لن أفعل بها شيئاً، فقط لأخفِّف إحساسي بالذنب). أي أنها لن تصرف أموال تلك الجائزة وتستمتع بذلك وشعبها يُعاني، وهي تحس بالذنب، لأنها فازت بجائزة قيمتها المالية كبيرة، وتشعر أنّ في ذلك ذنباً، لذلك تُحاول أن تُخفِّف إحساسها بالذنب برفضها الاستمتاع بالقيمة المالية لجائزتها.

أحياناً إذا لم تستطع أن تزيل مُعاناة الآخرين أو تُخفِّفها عنهم، عليك أن تعيش معهم المُعاناة!!

أعرف رجلاً مقتدراً يُمكن أن يسافر بأسرته الصغيرة ويُغادر الخرطوم كما غادرها الكثيرون ويسكن في أفخم الأحياء بمدن الولايات، ويُمكنه أن يهاجر ويسافر خارج السودان ولا تمنعه من ذلك قُدرته المالية، لكن هذا الرجل كما شعرت منه فضّل أن يبقى في الخرطوم مع إخوانه وأخواته وأسرهم، لأنهم ليس لهم القُـدرة على الهجرة من الخرطوم. أضعف الإيمان أن يبقى معهم.. والموت مع الجماعة عرس.

هذا الرجل يشبه (ارندهاتي روي) التي رفضت أن تستمتع بأموالها وغيرها يعاني من الحاجة والعزل.

في أحد المواسم الزراعية، وضع الشاعر محمد الحسن سالم حمّيد كل ماله وجهده في زرعه، بعد أن قام بزراعة أرضه في (نوري) بصلاً، فجاء الفيضان وقضى على محصوله.. تلك الأرض التي يمتلكها حمّيد والتي قام بزرعها بنفسه وأغرق الفيضان زرعه، سرنا عليها بأقدامنا مع عادل إدريس والكاريكاتيرست نزيه حسن والفنان الرائع أبو بكر سيد أحمد، وحمّيد يُحدِّثنا عن حسرته من ضياع زرعه ومن خسائره التي كانت كبيرة بسبب الفيضان، الذي كان جارفاً في ذلك العام ليدفعه ذلك أن يكتب قصيدة (أريتك لو سعيتها جداد)، في إشارةٍ إلى أنه لو (كبّ) أمواله وصرفها على (كتاكيت) لكان ذلك أفضل له.. وإن كان ذلك مكابرة لا غير من حمّيد، لأنّ حمّيد يحب الأرض ويعشقها، ويهوى الزراعة، ولو خسر مليون مرة فلن يتخلّى عنها، وقد كان حمّيد رحمة الله عليه يزرع ويحصد غيره. وهو الذي قال: (أصلي من تبيّت وقمت ما حصد سيدابي زرعي)، والسيداب هو ماعون أو طبق يُصنع من السعف ويُحمل فيه الحصاد.

هذا حال حمّيد منذ أن قام، يزرع، ويحصد غيره، ونحن بعده ما زلنا نحصد من شعره الحب واليقين والقناعة والنضال والكفاح والوطنية وكل القيم النبيلة والكريمة.

ليت حمّيد كان حيّاً لأقول له إنّ (الجداد) نفسه لم يكن سوف يسلم من جرّاء تلك الحرب اللعينة التي قضت على الأخضر واليابس و(الكتاكيت)!!

كم نشتاق إلى حمّيد، بجلبابه الذي يفيض كرماً، وعمامته التي يلفّها ببعد فيه رسم تشكيلي بديع.

ذاك حمّيد بكلماته التي يفصل بينها بشيءٍ من الصمت والسهو الجميل، فهو عندما يتحدّث معك يخرج كل كلمة بشكل منفصل وهو يضغط على الحروف بأسنانه، لعله يفعل ذلك لأنّه يوزن كلماته بميزان الذهب، ولأنّ حمّيد يقول حكماً ومثلاً، ولأنّه يقول كلماته من أعماق روحه أو من روح عمقه، لا أدري تحديداً.

في الأيام الأولى للحرب، ظهر مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي لسيدة أعمال تمتلك مزرعة دواجن، وهي تندب فيه حظها، وتتحدّث عن خسائرها، وعن الشيكات الواجبة السداد والتي فشلت في الإيفاء بقيمتها المادية بسبب الحرب وقطوعات الكهرباء والمياه وانعدام العلف والسوق.

تعاطف الجميع مع سيدة الأعمال وهي تتحدّث عن الوضع في ذلك الوقت، ووجد مقطع الفيديو الذي بثّته تجاوب كل من شاهده، وهي تتصدّر بذلك التسجيل الأحداث، بعد أن أصبحت (ترند) على مواقع التواصل وهي ترثي (دجاجها) وتنشد وقف الحرب.

كم كنا أبرياء وسُذّجاً حينها ونحن نحسب أن خسائر الحرب سوف تكتفي بدواجن تلك السيدة!!

يا ريتها لو وقفت على (الجداد)، الموضوع تجاوز ذلك كثيراً، فقد حُرقت أسواق، ونُهبت بنوك، وسُلبت مخازن، وشُلِّعت مصانع، وتم الاستيلاء على سيارات الأهالي ومنازلهم قهراً. تكبّد الناس خسائر كبيرة تتجاوز ملايين الدولات، إذا فقد رجال أعمال أموالاً وبضائع تُقدّر بملايين الدولارات.

ولم تقف الخسائر عند الفقد المالي، بل تعدى على الأرواح والأبدان والبنية التحتية والمستشفيات والمرافق العامة، وأصابت الحرب النسيج الاجتماعي، وشوّهت الهوية السودانية، وأحدثت تقرحات كبيرة فيها.
الخسارة كانت خسارة (وطن)، وهذا أمر خسائره تبقى أغلى من الأموال والأنفس.
إنّنا نخسر وطناً!! فأي انتصار يمكن أن يُعوِّضنا تلك الخسارة؟
نعم ليتها وقفت عند (الجداد).. وحرق سوق بحري ونهب البيوت والسيارات.
ليتها وقفت هنا.

ويا ريت بعد كل تلك الخسائر أن تقف في هذا الحد وتضع أوزارها، فنحن نمضي للهاوية بسرعة الصاروخ.
هنالك عامٌ دراسي يضيع، غير أنّ الكثير من طلاب الجامعات تعطّلت دراستهم حتى كادوا أن يصلوا لسن المعاش الإجباري وهم مازالوا طلاباً.
أكثر من (5) ملايين لاجئ.. فيهم أكثر من (2) مليون طفل.. يدفع فاتورة هذه الحرب اللعينة.. هم لا ذنب لهم غير أنّهم سُودانيون.

المُؤسّسات الخاصّة توقّفت، وبعضها فصل عمّاله، وبعضها منحتهم مؤسساتهم إجازات مفتوحة بدون راتب، في الوقت الذي توقّفت فيه الرواتب، بما في ذلك رواتب الذين يعملون في القطاع العام.

قرابة الأشهر الخمسة، والموظفون والعمال بدون رواتب إلا من رحم ربي. وليس في (خشاش) الأرض ما يُمكن أن يؤكل.
تدفُّق اللاجئين على الحدود نزوحاً من العاصمة الخرطوم وولايات دارفور أمرٌ مُؤسفٌ ومُؤلمٌ، من لم يعش هذا الوضع من السودانيين عاش وجعه وحزنه كأنه لاجئ بينهم.. والجسد السوداني الآن يتداعى السهر والحمى، بل يتداعى (الموت) نفسه، فليس هناك أسوأ من أن نرى السودانيين في تلك المشاهد والصور!!

تخيّلوا أنّ العاصمة أصبحت تمور في الفوضى وتهيم فيها!!
(المستشفيات) تحَوّلت إلى (ثكنات) عسكرية، و(المدارس) تحَوّلت إلى (ملاجئ)، و(المسارح) أصبحت مخازن للأسلحة، و(المصانع) نُهبت جهاراً نهاراً، بما في ذلك مخازنها وآلياتها الخفيفة والثقيلة، حتى (المنازل) أضحت مَنَصّات تُطلق منها (النيران)، أو تُطلق عليها!!
أم درمان تعيش أوضاعاً لم تشهدها حتى عندما كانت تحت حصار قوات الإمام محمد أحمد المهدي!!

الخرطوم بحري مفقودة!!والخرطوم بعد أن كانت ثكنة عسكرية أصبحت ميدان حرب.

هذا يحدث في عاصمة البلاد ومركزها الرئيسي، أما ولايات دارفور فهي في أوضاع أسوأ. أي دقيقة في هذه الحرب سوف نفقد ما لا يمكن تعويضه في سنوات.
إنّنا نخشى في أن ينجح الذين أشعلوا الحرب في أن يحوِّلوها إلى حرب أهلية، وهذا آخر مخططاتهم، بعد أن فشلت خططهم كلها، إذا نجحوا في ذلك فلن يكون هنالك وطنٌ.

أدركوا الوطن فإنه يمضي إلى الزوال.
اللهم احفظ السودان وأهله.
ربما بالدعاء نحقق ما فشلوا فيه.
الفرج إن شاء الله سوف يأتي ولو بعد حِـينٍ.

مَتاريس
انتهاكٌ آخر من مليشيات الدعم السريع وهو المُعتاد منهم والطبيعي، وهي تقتاد اللواء معاش الصادق يوسف عضو مجلس إدارة الهلال من منزله في الكلاكلة وتحتجزه في مكان غير معلوم حسب بيان مجلس إدارة الهلال.
هكذا أصبحت حياة الناس في الخرطوم.

الانتماء للقوات المسلحة (شرفٌ) وليس (خيانة) كما يظن الذين اقتادوا اللواء معاش الصادق يوسف، إذ لا تُهمة له غير أنه كان ضابطاً في الجيش، وهذا شرفٌ لا يدّعيه.

بعيداً عن ذلك، اللواء الصادق يوسف إنسانٌ رائعٌ، يُمارس العمل العام التطوعي، ويجد الجزاء بتلك الصورة المُخزية.
هذه الانتهاكات والتجاوزات يجب أن تُوقف عند حدِها.

التعازي كذلك لابن شندي الضابط محمد علي الذي قُتل ابنه الشاب علي من نفس الأيادي بمنطقة السامراب.
تلاحق الأحداث يحرمنا من أن نُعلِّق على الكثير منها.
….
ترس أخير: اللهم احفظ السودان وأهله.

معرض الصور