20/09/2023

(الخيانة العُظمى) في عرف الذين انتموا للوطن بـ (الانتساب)!

محمد عبد الماجد

الأخ الزميل علي عصام رئيس تحرير موقع (ريجستا)، كتب في الصفحة الرسمية للموقع في فيسبوك كلمات رائعات في حقي لا استحقها، ونحن من قوم تقلقهم الإشادات أكثر من الانتقادات، ويزعجني الثناء خوفاً من أن لا نكون في مقامه. استوقفتني في حديث علي عصام كلمات عن صدقي مع اختلاف الآراء حولي أو فيما أكتبه هذه الأيام، وقد أسعدني هذا الاختلاف أكثر من وصفي بالصدق، رغم الهجوم والانتقادات التي عرفت أنها تُوجّه لشخصي في كثير من الصفحات والقروبات، بعد أن تم وصفي بالعمالة والخيانة العظمى من قبل (جهاز المخابرات) حسب ما نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وإن كنت لا أدري مدى صحة تلك القوائم التي نُشرت تحت اسم (قائمة العار والعمالة والارتزاق) على الشبكة العنكبوتية، وتوعّدتنا بالمحاسبة والويل بعد انتهاء الحرب، حيث قدموا تلك الأسماء بقولهم هذا: (نشطاء سياسيون يواجهون تهم (الخيانة العظمى)، (الحرب ضد الدولة) وجريرة (إشعال الحرب) وما ترتّب عليها من إزهاق للأرواح ونهب وتدمير للممتلكات الخاصة)، هؤلاء نحن!

تركوا من ينهبون ويسلبون ويحملون السلاح ويدعون للحرب والفتنة، واتجهوا نحونا واتّهمونا في وطنيتنا، ويُريدون أن يسألونا عن (إزهاق الأرواح) وهم الرعاة ونحن الرعية، ونحن لم نكتب ولا نقول إلا (لا للحرب)، ولا ندعو إلا لإيقافها، ومن يملك دليلاً أو كلمة في كتاباتنا غير ذلك فليأتِ بها. أما الذين دعوا للحرب وطالبوا بالردم والدق فهم الأبطال، رغم أنّهم يكتبون من الخارج ويتحدّثون من بلاد طيرها عجم، ولا يعرفون حجم المعاناة التي يعيش فيها الناس بسبب تلك الحرب اللعينة.

ولتجديد الغبن علينا وإيقافنا من الكتابة من أجل أن نسكت أو لإظهار آرائنا على أنها ناتجة من خيانة للوطن، أو عداء، وداعمة لمليشيات الدعم السريع التي ترتكب الانتهاكات في الأرض، نشرت القائمة مرة أخرى ولكن بدلوا من المقدمة بعد أن قالوا :(جهاز المخابرات العامة يضع قائمة حظر ومنع الدخول أو السفر تم تفعيلها صباح اليوم ضمت آلاف الأسماء المحظورة من السفر في مطار بورتسودان على خلفية التعاون مع قوات الدعم السريع). هؤلاء نحن!! يا سبحان الله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

نتعاون مع الدعم السريع!! ربيبهم الذي خرج من رحم النظام البائد، ونحن في الخرطوم الآن يقع الرصاص تحت أقدامنا مثل (البعوض)، ونُعرِّض أطفالنا للخطر والموت، فهل في ذلك تعاون مع الدعم السريع، مع إيماننا التام أنه لن يصيبنا إلّا ما كتب لنا، وهذا ما يبقينا. وإن فقدنا أطفالنا من بعد لا قدر الله فهم يبقى عليهم ما بقي على الذين فقدناهم من أبناء السودان في هذه الحرب. كما أني لأسباب خاصة ولوجستية لا أستطيع الخروج من الخرطوم. لمُّوا قائمة الحظر عليكم فنحن باقون ومستمرون، فهل نخون الوطن دون حتى أن نُؤمِّن أنفسنا ونقِي عيالنا من شر حرب لا يفرق رصاصها بين (مع وضد). رصاصة طائشة يمكن أن تودي بحياتك إن لم تنجح الرصاصة الموجهة في ذلك.

من ضمن الأسماء التي ذُكرت من قبيلة الإعلاميين، أسماء رأت أن تخدم الوطن بالقلم في زمن لا كلمة فيه إلّا للبندقية، اُتهموا بالخيانة العظمى (فيصل محمد صالح وعثمان ميرغني ومرتضى الغالي ورشا عوض وأمل هباني وصباح محمد الحسن وماهر أبو جوخ وشوقي عبد العظيم ولقمان أحمد) وغيرهم. أسماء أتشرّف أن أكون بينهم، إضافةً إلى سياسيين يتقدمهم (حمدوك والدقير وسلك ومدني ووجدي صالح)، القائمة ضمت أيضاً مزمل فقيري وأسامة داؤود.

وضعونا مع بعض الأسماء التي قد تكون فعلاً تعاونت مع الدعم السريع حتى تكتمل فصول المسرحية واغتيال الشخصية.
وضعوا في القائمة حمدوك الذي أخرجه النظام البائد من البلد وفصله من وظيفة صغيرة، فعاد رئيساً للوزراء بعد ثورة شعب، ثم انقلب عليه العسكر الذين يشعلون الحرب الآن. حبسوه وتحفّظوا عليه في منزله شهراً، ثُـمّ أعاده العسكر مرةً أخرى لمنصبه، ليتقدم باستقالته ويُغادر بعد أن قدم خطابه للناس واعتذر لهم. فعل ذلك وفعلوا هم فيه ذلك دون أن يحمل (البندقية) أويطلق رصاصة واحدة، رغم أنه تعرّض لمحاولة اغتيال عندما كان رئيساً للوزراء، وتعرّض للهجوم وحملة شعواء بسبب صيانة منزله الحكومي، بعد أن لم يجدوا غير هذا ليهاجموه، وقد كانت تكلفة الصيانة لا تتجاوز ثلاثة ملايين جنيه.
وقتها كان إعلام النظام يكتب عن سعر (رطل اللبن) وعن الخرطوم التي تحولت إلى جحيم ليصمتوا صمت القبور الآن عن وصف الخرطوم وكأنّ على رأسهم الطير.

سوف نظل ننحاز للحقيقة دون تغبيش أو تسويف، ولو كان ثمنها غالياَ، وإن كلّفنا ذلك حياتنا، وليس في ذلك غرابة، فكم الذين ضحوا من أجل الحقيقة واُتهموا بالخيانة وهم أشرف الناس، أمثال الأزهري والمحجوب ومحجوب شريف وحمّيد.
أجهزة المخابرات في الوطن العربي تُوصِـف الشرفاء بالعمالة والخيانة والارتزاق.

مات إسماعيل الأزهري، الذي رفع علم الاستقلال في السجن، وحرم رئيس الوزراء في حكومته محمد أحمد محجوب من تقديم العزاء فيه.

والخائنون أصحاب حناجر ضخمة وملمس ناعم وكلمات رنّانة، لا يملكون قدرة على المواجهة ولا يكشفون عن أنفسهم بالآراء المخالفة. الخائنون هم الذين ظهر ثمن خيانتهم عليهم، وقبضوا الثمن وصار لا يفرق عندهم شئ، إنّ الثمن الذي نالوه مقابل الخيانة كاف لهم ومُجزٍ، بفضله يُمكن أن يعيشوا في العواصم الأوروبية أبد الدهر حياة الملوك، علاقتهم بالوطن تبقى من خلال (3) دقائق يظهرون فيها على فضائية عربية ليؤدوا مناسك الطاعة والولاء لمن دفعوهم للخيانة.
يرمونا بـ (الخيانة العظمى) الذين انتموا للوطن بـ (الانتساب)!!

صديق هلالي قديم اسمه (أنور البطحاني)، هاتفني بعد انقطاع دام لأكثر من سبع سنوات، ليطالب مني أن أوضح موقفي للقراء، وأن أرد على الاتهامات التي تُوجّه لي. لأنّ دفاعه عني أرهقه كثيراً، في ظل الهجوم الذي أتعرّض له، وقد شعرت في كلامه بغضب جارف وحقيقي من اجلي، لأكتب وأرد اليوم استجابةً له وليس من أجل أن اقتص لنفسي، لأنّ الأيام كفيلة بذلك. ولأن المولى عز وجل يعلم ما في القلوب، فمن يخاف الله لا خوف عليه، اكتب من أجل أنور، لأنه وجد نفسه في موقف محرج وهو يدافع عني، في ظل الهجوم الذي أتعرّض له.

قلت للأنور البطحاني وهو من قبيلة عُرفت بالشكيمة والقوة والشجاعة، ويدخل أبناؤها في اشتباكات مع مليشيا الدعم السريع يسعدني دفاعك عني. لأنك تعرفني، وهذا يكفيني ولا أريد أكثر من ذلك. ولا أجد غضاضة على الذين يهاجموني، لأنهم لا يعرفوني. أجد لهم العذر، خاصةً في هذه الأجواء المشحونة، كما أني أحسب أن هجومهم على شخصي ناتج من محبتهم لي، وهم لا يحبون أن يروني في موقف لا أكون فيه بينهم، وهو مجرد سوء تفاهم بيني وبينهم، وها أنذا أوضح لهم موقفي احتراماً وتقديراً، أما الذين يرموننا بالخيانة ويتّهمونا بذلك عن قصد زُوراً وبهتاناً، بما في ذلك جهاز المخابرات إن صحت الرواية، فنحن قادرون على مقارعتهم وإثبات صحة موقفنا وإن كلّفنا ذلك حياتنا، وبيننا وبينهم الله سبحانه وتعالى.

أنا كثيراً ما أقول إنّ الكاتب أو الصحفي الذي يخشى من كتابة رأيه ونشر وجهة نظره إذا كانت عكس رغبة القراء، ليس جديراً بالكتابة ولا يستحق أن يحمل القلم، لأنّ القلم أمانة، وأيِّ حرف نكتبه نُسأل عنه ونُحاسب عليه.

ونحن نخشى محاسبة المولى وليس محاسبة أجهزة لا هدف لها ولا غرض غير أن تخدم من هُم في السلطة، هؤلاء الذين يخدمون الكراسي بغض النظر عمن يجلس فيها. نقول لجهاز المخابرات إنّ خيانة الوطن تتمثل في ملاحقة الأبرياء والشرفاء وترك الذين ينهبون ويسلبون بلا محاسبة، بعد أن اُستبيحت الخرطوم!

لا ادعي أنّ وجهة نظري ورأيي صحيح، ولكن أجزم إنّي صادقٌ في ذلك، وإنّ غرضي من ذلك المصلحة العامة، وإنّ الوطن لا يخدم بدفن الرؤوس في الرمال كما يفعل النعام الذي قرّر أن يواجه الحقيقة بدفن الرؤوس! رفضي للحرب لا يعني إنّني مع مليشيا الدعم السريع، ولا ينفي تمردهم والانتهاكات التي ارتكبوها.

من الأسباب القوية لخسائر الحرب أن الإعلام لم يقدم الحقيقة اعتقاداً منه أن خدمة الوطن يمكن أن تكون في الخداع والتخدير والبحث عن شمّاعات وأسماء لتعليق إخفاقهم عليها.
نحن نرحب بالتضحية من أجل الوطن وعلى استعداد لذلك، لكن لن نقبل أن نكون ضحية لنفاقكم وكذبكم.

صديقي المريخي الآخر الشنداوي (أباذر الكدرو)، كان يُطالبني بالهجوم على الدعم السريع وعلى الانتهاكات الكبيرة التي يقومون به حتى أثبت براءتي وأرد على من يُهاجموني.. وهو أمرٌ حقيقي.. لكن لكل شيخ طريقته.

قوات الدعم السريع مليشيا وجنجويد، ارتكبت انتهاكات كثيرة ليس في ذلك شك، وقولنا هذا مثبت عنهم منذ العهد البائد. لكن في هذه الحرب أتعامل بكلمات محسوبة وأتحاشى كل ما يمكن أن يشعل الفتنة ويُؤجِّج الحرب.

أتجنّب خطاب الكراهية والعنصرية وكل الأخبار التي يمكن أن ينعكس أثرها على الوطن وتفكيكه.

الفيديوهات والأخبار التي يجتهد الفلول في نشرها، المقصود منها تفجير براكين الغضب وإشعال السودان.. هذه الفيديوهات الدموية، خطورتها تكمن في أنها تُشكِّل الخطر على المدنيين في الخرطوم، وهم في مناطق كثيرة يعيشون بين أحياء وأسواق، بل ومنازل تسيطر عليها قوات الدعم السريع، المواطنون العُزّل يمشون بينهم والجنجويد يحملون أسلحتهم وتدفعهم تصرفاتهم الصبيانية، وفيهم من هم صغار في السن إلى أفعال يمكن أن يكون فيها الموت.

ما يحدث في ميادين الحرب من قتل أو انتهاكات يجب أن لا يعرض للناس في هذا التوقيت كما تفعل قناة طيبة.

يجب التعامل ونحن في هذا الموقف بحكمة وتروٍّ، لا تجعلوا حمية مواقع التواصل الاجتماعي وجميعهم يكتبون من الخارج أو من مناطق آمنة تقود الحرب وتوجهها.

الحماقات لا تبني الأوطان، والمرارات الشخصية والانتقام لا يقودنا إلّا للتهلكة.

الكثير من الأخبار تُنشر من أجل التكسُّب الإعلامي والمعنوي وهي بعيدة عن الحقيقة، كما أنّ مضارها أخطر، والحرب تدخل للشهر السادس دون تقدم ملحوظ، إلّا في مواقع التواصل الاجتماعي.

الخطاب الفطير والمكرر والتراجيديا التي يقدمها (المسرحي) المتحور حسن إسماعيل وكأنه يقدم فصلاً من مسرحية (أكل عيش) مسرحية الفاضل سعيد الشهيرة وهو ينتحب حيناً ويسخر حيناً آخر، ويستعمل كلمات استهلكها حتى أضحت مثل (بروة) الصابونة، لن تقودنا إلى النصر.

مثل هذه الخطابات أكل الدهر عليها وشرب وحسن إسماعيل لم يبرح بعد خطابات (أركان النقاش)، رغم أنه وصل إلى درجة (وزير) في العهد البائد عندما لم يحارب وقتها غير (أكياس النايلون) عندما كان الفساد يضرب البلاد.

هذا الخطاب (الطلابي) يجب أن يكبر حسن إسماعيل عليه، الذي مازال يحمل مراهقته السياسية منذ أن كان يقف أمام بوابة الإمام الصادق المهدي، على إسماعيل أن ينسى انه كان آخر وزير إعلام للنظام البائد. عليه أن يخرج من ذلك الجلباب. فهذا نعيم قد زال وزمن قد ولّى.

هذا النفاق الإعلامي لن يقودنا إلى بر الأمان وعبره لن يحقق الجيش الانتصارات.
مسؤوليتنا ان نُقدِّم النقد والخبر الصحيح، ونُوجِّه اللوم للسلطات والبلاد تصل لهذا الدرك من الانحدار، المقام هنا ليس مقام (تطبيل) وادعاء الوطنية بانتصارات زائفة وكلمات رنّـانة.

على ماذا تطبلون والبلاد تنزلق الي الحضيض؟
في مسيرتي الصحفية المتواضعة لا أحب الآراء التي تأتي على سياق (ما يطلبه القراء)، ولا أحب أن أركب الموجة أو أن أحقق رغبة الناس واكتب لهم فقط لأنهم يريدون ذلك. لهذا اكتب اليوم لأوضِّح موقفي على من اختلط عليهم الأمر أو ساقهم هوى القوائم السياسية التي اتهمتنا بالخزي والعار والخيانة. لا أميل إلى التفسير أو التبرير لكن لا بأس من التوضيح، تكرماً لمن طلب مني ذلك، وإيماناً بامتلاك المنطق والقدرة على تقديم وجهة نظرنا والدفاع عنها.

من أسباب اتهامنا بالخيانة هو أننا قلنا (لا للحرب)، ومازلت أصر وأكرِّر وأقول إنّ السبيل الوحيد لإنهاء الحرب هو التفاوض والسلام، فهل في ذلك دعوة لإشعال الحرب أو إزهاق للأرواح؟!! اذا استمرت الحرب خمسين سنة بتلك الصورة لن يتحقق الحسم، إلا إذا كان الهدف من تلك الحرب تفتيت السودان ليصبح للجيش عاصمة في بورتسودان ولقوات الدعم السريع عاصمة في الخرطوم. وللمواطن الحسرة والموت.

لا خيانة في قولنا (لا للحرب)، وقد وصفها البرهان نفسه بأنها حرب (عبثية)، وقال حميدتي إنّ مشكلته فقط مع البرهان.. الحرب دخلت في الشهر السادس دون أن تعرف الحسم، أين خبراء (الحسم خلال ٤٨) وسيطرة الجيش على ٩٥% من ولاية الخرطوم والحكومة بالكامل في بورتسودان؟! فقدنا في تلك الحرب، أرواح أبرياء ودمرت البنية التحتية ونهبت المنازل وخلعت المصانع وتوقفت كل الأشياء، بما في ذلك المدارس والجامعات وحركة الطيران. وفي الطريق إلى ما هو أخطر في تفتيت السودان وتفكيكه وفي حرب أهلية لا هوادة فيها.

أي انتصار عسكري لن يجبر تلك الجروح ، فما جدوى الانتصار بعد خراب سوبا. وأنا اثق انهم سوف ينتهي بهم المطاف الي (التفاوض) ، فلماذا تتأخرون في ذلك ونحن في كل يوم نخسر المزيد. نعم سوف يتم التفاوض بعد أن نكون خسرنا كثيرا.
الأمر الغريب، مع أنّنا نقول (لا للحرب) ونجزم أنّ السلام هو الطريق المتاح الوحيد لإنهاء هذه للحرب، يتهمونا مع ذلك بإشعال الحرب وإزهاق الأرواح، في الوقت الذي تركوا فيه (الفلول) من كانوا مع الجيش أو الدعم السريع يتكسّبون من هذه الحرب ويعملون على إشعال نيرانها حتى ولو كان سبيلهم لذلك هو تفتيت السودان وتحويل الحرب (العسكرية) إلى حرب (أهلية)، في سبيل الوصول للسلطة وتحقيق مصالحهم الخاصة.
خيانتنا في نظرهم تتمثل في هجومنا على (الفلول)، الذين وجدوا في هذه الحرب ضالتهم لإخفاء سوءاتهم.
كان الفاروق عمر بن الخطاب ومع أنه عُرف بالقوة والشدة يرفض (حروب الردة) وإن كان موقف خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق في قيام الحرب كان هو الصحيح.

رفض الفاروق الحرب على من ارتدوا من دين الله وادعوا النبوة، فما بالكم الآن بحرب ظاهرها الوطن وباطنها السلطة.
شارك عمر بن الخطاب في رفضه للحرب معظم الصحابة كأبي عبيدة الجراح الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم (انه أمين الأمة) وسالم مولى أبي حذيفة الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم (ان سالماً شديد الحب لله) واناس من هذه الطبقة من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وتقول روايات أهل الثقة إن عمر كان يكره الإسراع إلى القتال، ويوصي قوّاده بالتريّث فيه، وربما نحيِّ المغوار على القيادة وهو كفء لها، لأنه يعجل بالقتال كما قال لسليط بن قيس: لولا أنك رجل عجل في الحرب لولّيتك هذا الجيش، والحرب لا يصلح لها إلا الرجل المكيث.

لا خير في الحرب، خاصةً إذا كان الثمن يدفعه المواطنون والبنية التحتية. علماً بأنّ ما تفعله قوات الدعم السريع في الخرطوم الآن من سلب ونهب وانتهاكات شتى ليس غريباً عليهم، فهو أمرٌ قد نشأوا عليه في العهد البائد، فهم صنيعة البشير ونظامه، وكان من الطبيعي أن ندفع الثمن على تلك الصورة.

الحرية والديمقراطية لا تتحقّقان بتلك الطريقة، والسبيل إليها لن يكون عبر البندقية، لقد أسقط الشعب السوداني ثلاثة أنظمة عسكرية دون أن يستعمل رصاصة واحدة، والجيش وجهاز الأمن واللجنة الأمنية والشرطة وقوات الدعم السريع كانوا إلى جانب البشير، مع ذلك الشعب السوداني أسقط النظام خلال أقل من أربعة أشهر وهو يهتف (سلمية.. سلمية)، والآن ونحن ندخل في الشهر السادس، والجيش في جانب.. والدعم السريع في جانب.. ومع أعمدة الدخان المتصاعدة والطيران والمدفعية فشل طرفا النزاع في حسم المعركة.

الأمر الغريب الآخر، إنّ جهاز المخابرات يُريد أن يُحاسبنا نحن الذين ندعو إلى السلم، في الوقت الذي تدعي فيه الحركات المسلحة المشاركة في الحكومة (الحياد).

حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي ووزير المالية د. جبريل إبراهيم أعلنا عن (حيادهما) في معركة بين الجيش وبين طرف وصفته الحكومة بالقوة المتمردة وحلت قواته بمرسوم دستوري!

يحاسبوننا نحن حملة (الأقلام) ويتركون حملة (البنادق) الذين أعلنوا (الحياد) وهم جُزءٌ أساسيٌّ من السلطة.
هذا الأمر لا يفعله حتى (النعام).

إذا كانت الدعوة لإيقاف الحرب والمطالبة بحكومة مدنية وعودة العسكر إلى ثكناتهم وتكوين جيش قومي واحد جريمة، فليشهد التاريخ إني مجرمٌ، وإذا كان في ذلك خيانة فمرحباً بالخيانة!!!

في يناير ٢٠١٩م، تم إيقافي من قِبل جهاز الأمن والمخابرات من الكتابة (السياسية) في صحيفة (الانتباهة)، وتعدى الإيقاف إلى إيقافي من الكتابة (الرياضية) في صحيفة (قوون)، وامتدّ الإيقاف لأكثر من ثلاثة أشهر، قبل سقوط النظام كنت فيها أكتب على الشبكة العنكبوتية وأُلاحق من نيابة أمن الدولة واُتهم بالخيانة أيضاً، ويتم التحقيق معي بعد كل مقال أنشره على الإنترنت، وأوقِّع على إقرار بأني كاتب هذا المقال، وأبصم على ذلك بالعشرة، وكان أمامي فرصة الإنكار، لكن أقر واعترف إيماناً بما أكتب، حتى تجاوزت الإقرارات التي وقعت عليها الإثني عشر إقراراً، كنت أفعل ذلك من الخرطوم، فما الذي يخفيني الآن أو يجعلني أتراجع، وقد تعلّمت أنّ الحق لا بد أن ينتصر في النهاية، وأنّ الذي يبقى هو ما ينفع الناس، أما الزبد فيذهب جفاء، كما ذهب النظام البائد.

هاجمنا حميدتي وقلنا الجنجويد ينحل، عندما كان حميدتي الرجل الثاني في الدولة، بل كان الرجل الأول.. فعلنا ذلك حينما كان البرهان يدافع عنه، وكان إعلام النظام البائد يغازل فيه ويدعوه لضرب الثوّار وفتح الطرق وفض الاعتصام (والإرشيف موجودٌ).

كتبت عن حميدتي تحت عنوان (حميدتي لي أي زول)، عندما كان حميدتي رئيس اللحنة الأمنية ورئيس لجنة التفاوض في جوبا ورئيس اللجنة الاقتصادية واللجنة الصحية ورئيس لجنة المنتخبات الوطنية ورئيس أي لجنة تظهر، بما في ذلك لجنة إجازة النصوص.. أين كنتم وقتها؟ وأين كان البرهان؟

كتبت تحت عنوان (فريق الخلا وفريق البيت) والإرشيف موجودٌ وحميدتي حيّ يرزق، قبل أن تظهروا الآن وأنتم لم تملكوا جرأة على انتقاده والهجوم عليه إلّا بعد أن قالوا لكم الزول دا مات وشبع موتاً.

عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي فرق بين الحق والباطل وهو من قال عنه سيد البشرية سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام: (ان الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه). وقال عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب. ان الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه). وقال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عمر بن الخطاب معي حيث أحب، وأنا معه حيث يحب، والحق بعدي مع عمر بن الخطاب حيث كان). كان الفاروق عمر يقول: (ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، ولكنه الذي يعرف خير الشرين).

عليكم أن تعرفوا خير الشرين وهو (السلام) إن كان ذلك شراً، بدلاً من أن تنتظروا خيراً لا يأتي وهو حسم المعركة عسكرياً.

الحديث أصبح جهراً عن تشكيل حكومتين.
أدركوا الوطن قبل أن نصلي عليه صلاة الغائب.
والله المستعان.
انتهى،،
أبو إبراهيم

معرض الصور