01/10/2023

العقل السياسي .. الطريق إلى العقل الديمقراطي

أمير بابكر عبدالله

أعجبت بتصنيف أحد الكتاب (لا أذكر اسمه) وأظنه من تونس ما قبل البوعزيزي، للعقل السياسي منطلقاً بمدخل أطلق عليه اسم عقل التأسيس. وهو مقال دقق فيه حسب وجهة نظره في العقل السياسي العربي السائد اليوم، توصل فيه إلى تأسيس العقل الديمقراطي كمخرج لما هو سائد.

الكاتب يرى أنه لا بد من التخلص من نوعين من العقل، هما العقل السياسي الجبان والعقل السياسي المتوحش اللذين يمثلان نتيجة للاستبداد وإن تباينا شكلاً ومضموناً، للإنطلاق لبلورة المشروع الديمقراطي.

رأى أن خصائص ومظاهر العقل السياسي الجبان تتمثل في التمسك بالهياكل وأولويتها على وظائفها. فالتخلي عن الوعاء تعد من المحرمات لدى العقل السياسي الجبان. ومن خصائصه المرونة التي تصل حد وصف المواقف المعتدلة والمتمسكة بالحد الأدنى من المبادئ والحقوق والكرامة، التي تعتبر وسطية في أي بلد طبيعي، بالتشدد والتنطع والتطرف والتهور. ومن ضمن خصائصه الواقعية السلبية، وهي تحليل للواقع يدّعي الواقعية أي التجرّد والموضوعية والبعد عن الأوهام والأحلام والإرادية والمغامراتية الخ. لكنه عقل لا يرى إلا موازين القوى المختلة لصالح العدوّ ولا يبرز إلا العوامل المحبطة للعزائم ولا يركّز إلا على ما يدعو إلى التريث والتفادي وعدم المواجهة والتضحية العبثية. هكذا تصبح الواقعية تبرير أسباب القعود والرضوخ، ويقول إن تلك وظيفتها منذ البداية.

الأنا فوق كل اعتبار

من ثوابت العقل الجبان: كل فكرة لست صاحبها فاسدة، كلّ ايدولوجيا لا اعتنقها أفسد. كل مبادرة لست صاحبها تحارب. كل مشروع لست منطلقه يجهض. كل عمل لا أتحكمّ فيه خطر داهم. كلّ دائرة لست مركزها لا دارت ولا ارتكزت. المضحك في هذا العقل أنه لم يفهم قاعدة القواعد في السياسة وفي الحياة: لكي تكبر إصغر، لكي تجد نفسك ضيّعها، بقدر ما تضحّي وتعطي وتتنازل للمصلحة الجماعية، بقدر ما يزداد قدرك ونفوذك.

واحدة من الخصائص ما أسماه الإفتاء من فوق الربوة، أو ما نطلق عليه (المنظراتي) وهو الشخص الذي يضع نفسه في خانة المستقل. ويرى الكاتب أن المستقلّ في البلدان (الطبيعية) شخصية اعتبارية تعبّر عن أراء سياسية دون أن يكون لها طموح للسلطة.

كان هذا شأن سارتر وكبار المثقفين في الغرب، ويمكن القول أن هذا وضع كبار الشخصيات الاعتبارية في بلادنا التي تحتاج الساحة السياسية لحكمتهم وتحكيمهم إن اقتضى الأمر. لكن المستقلّ القاعدي في بلادنا غير هذا تماما. هو حزب سياسي بأتمّ معنى الكلمة لكنه حزب مكوّن من شخص واحد يضع نفسه في موازاة الأحزاب بل ويدّعي تفوقه الأخلاقي عليها والنقد والدروس للجميع. هذا بخصوص الإفتاء.

أما بخصوص الربوة فالرجل، أو المرأة، يربأ بنفسه عن السقوط إلى مستوى مشاكل التنظيم الذي يدّعي احتقاره. هو غير مستعدّ ليسلّم له بحريته العزيزة أو يتنازل له عن استقلاله الفكري الثمين. هو ينظر لكلّ هذا من برجه العاجي حيث لا قلق ولا إزعاج ولا خطر. وهذا بيت القصيد.

وكأني أراه يصف حالنا حين يقول الكاتب (ثمّة بالطبع علاقة جدلية بين كل أصناف الجبن والانهيار المريع للعقل السياسي الذي يحكم اليوم بلادنا. فخوف ما يسمى بالمعارضة من المواجهة الحقيقية مع الاستبداد هو الذي فتح الباب بمصراعيه أمام الانتهازية لتصول وتجول وتستأسد على البلاد والعباد دون أن تخشى شيئا أو أحدا. هكذا لم تعد السلطة تخشى أن يصبح الكذب هو الحقيقة والتزييف هو الواقع والفساد هو الأخلاق....... أمّا المنهجية فهي تكتيك ومناورة لترسيخ هذه (المبادئ) في مصلحة الهدف الأسمى أي الحفاظ أطول وقت على كنز علي بابا، الذي سقط بالصدفة بين المخالب القذرة و انتهاز الفرصة لن تتجدّد لاعتصار كل الممكن من اللذة والامتيازات ولو على حساب تدمير الوطن).

أما الصنف الثاني المقابل النقيض للعقل السياسي الجبان هو العقل السياسي المتوحش الذي يعرّفه بإنه جملة الآليات الفكرية التي تنتج مواقف وسلوكيات تصرّف التمرّد ضدّ الاستبداد بغية احتلال مكانه.

يقول الكاتب إن الطاقة التي تحرك هذا العقل هي التعصب وليست الانتهازية التي يتصف بها (الجبان)، كما إنه يتسم بالصلابة ويفضل العنف والحركة على الخنوع والاستسلام، ويعلي من شأن الجماعة على حساب الأنا التي يبغضها ويحقرها.

يرى الكاتب إن هذا العقل المتوحش تسبب في إسالة كثير من الدماء والدموع عبر التاريخ، وأن العقل السياسي الجبان هو أخف الضررين بالمقارنة به.

من الخصائص الظاهرة (لهذا العقل الثقة المطلقة في منطلقات الايدولوجيا وعدم تعريضها للمساءلة والنقد والمراجعة والاعتقاد بشموليتها وكمالها، ومحاولة قراءة كل ظواهر الحياة على ضوءها حشراً وتعسّفاً وتجاوزاً مع شديد الرفض لتاريخيتها، ناهيك عن الاعتراف بأنّ لها حدود وسلبيات).

ومن خصائصه أيضاً ما أسماه الوثنية اللفظية. فالكلمات والشعارات التي توضع تكون بمثابة مقدسات، وهي كلمات وشعارات إذا ما تم تحليلها لا تجد لها معنى، رغم ذلك تكون في موضع العبادة لدى أصحاب العقل السياسي المتوحش. وهذا يقود في النهاية إلى الإرهاب اللفظي، أو كما يقول الكاتب (فمن طبيعة العقل المتوحش صبّ اللعنات بكثير من السخاء على أعدائه لأن المستحوذ على الكلمة يعتبر نفسه قيما على الفكرة).

ثم إنه عقل يبسط الأشياء ويلغي التعدد ويلغي سائر التجارب التي لا تدخل ضمن إطاره التفسيري، وهو في النهاية عقل يتعسّف على الواقع ولا ينتظر إلا أوّل فرصة ليتعسّف على البشر.

يصل الكاتب إلى أن هذا العقل هو الذي تجده عند الأصولي الإسلامي بنفس الكيفية التي تجدها عند ألدّ خصومه تبعا لقانون يمكن أن يسنّ كالآتي: إن مواقف وتصرفات متطرف قومي أو ديني في صراعه مع متطرف ينتمي إلى الاتجاه المعاكس، ناجمة دوما عن تناقض مطلق في الأفكار وتشابه مطلق في التفكير.

يخلص الكاتب إلى أن العقل الديمقراطي هو المخرج من هذا المأزق، ويرى أن لا مجال لمعارضة في ظل النظام الديكتاتوري إذ لا ينفع في مواجهة الاستبداد إلا المقاومة وهو يفضل المقاومة السلمية. ويضع مبادئ ومنهج للعقل المقاوم ترتكز على:

القبول بالتعددية: إن الديمقراطية عقلية لا تستقيم إلا داخل فكر يقبل بتباين الرؤى وبالتعقيد والنسبية والتعددية في الظواهر الطبيعية والإنسانية.

الواقعية الإيجابية، تستند على تحليل متعدد الأبعاد و معمّق للواقع ينطلق من ثراه وتعقيده وازدواجيته وديناميكيته المتواصلة. هي ترصد بدقة كل القوى المضادة للمشروع التحرّري في الوقت الذي ترصد بمنتهى الدقة كل القوى الدافعة له. هي التي لا تستهين لا بالعدوّ لا بالعراقيل، لكنها تراهن، حتى في أصعب الظروف، على قوى الخلق والتجدّد، التي لا تقلّ أهمية في فهم الواقع والتحكم فيه عن قوى العرقلة والتدمير.

الصلابة الاستراتيجية: أن الصلابة لا تتعلق فقط بالمضمون وإنما أيضا بطرق تحقيق هذا المضمون، حيث لا أخطر على مبادئنا وأهدافنا من الفكرة الحقيرة التي تجدها في أفواه كل الانتهازيين أي الغاية تبرّر الوسيلة.

المرونة التكتيكية: وضع الكاتب للمرونة قواعد أجملها في تقييم النتائج وإعادة الكرة في حالة الفشل، كما وضع للمرونة مظاهر أجملها في: اترك للصلح بابا ولعدوك منفذا، وإذا هزمت لا تستسلم وإذا انتصرت لا تنتقم، ولا تكن مقلداً او سجيناً لفكر أو هيكل وإنما مبتكر لهذا وذاك.

يختم الكاتب بهذه العقلية يمكننا اليوم أن نتصور مؤسساتنا وبها يمكننا أن نبنيها يوم نكسر القيد.

معرض الصور