21/10/2023

السودان.. ثورات سلمية ومؤسسة عسكرية متربصة

يوسف حمد
برغم الحرب التي اندلعت على نطاق واسع في البلاد منذ أبريل الماضي، إلا أن السودانيين، بطريقة ما، سيحتفلون اليوم، 21 أكتوبر، بمرور 59 سنة على واحدة من أعظم الثورات السلمية في العصر الحديث وأبكرها في المنطقة: ثورة أكتوبر 1964 التي أطاحت بأول حكومة عسكرية في البلاد قادها الجنرال إبراهيم عبود.

ظلت تكتيكات ثورة أكتوبر وأهدافها السياسية والاجتماعية محل فخر وإعزاز، وكتبت حولها الكثير من السرديات الأدبية والفكرية، برغم أنها أجهضت في وقت مبكر من عمرها، بواسطة انقلاب عسكري قاده جعفر نميري في مايو 1969، ومثل عملا مضادا لأهداف الثورة استمر لمدة 16 سنة.

ليس من المتوقع أن تكون الاحتفالات بأكتوبر ذات طابع كرنفالي في الشوارع العامة، نظرا للتضييق المكثف الذي يفرضه المتحاربان، الجيش والدعم السريع، على النشاط المدني الجماعي، وسجلت في هذا الصدد عدة انتهاكات لمنع حرية التعبير والتجمعات الداعية لوقف الحرب، كانت على الأقل في كل من مدني، وسط البلاد، وبورتسودان، في الشرق، وسنجة، جنوب شرق البلاد.

لكن مع ذلك المنع، تمكن السودانيون من الإعلان عن تيار سياسي مناهض للحرب، هو (الجبهة العريضة لاستعادة الديمقراطية) المكون من عدة أحزاب سياسية ونقابات ومنظمات ناشطة في العمل المدني، وهذا في حد ذاته عمل ثوري واع بأهمية الديمقراطية والعمل السياسي السلمي ويعول عليه كثيرا في انتشال البلاد من مصير مشؤوم.

وفي خضم هذا العمل المدني، سيلهج السودانيون بأفضال هذه الثورة الحديثة الباكرة، إذ يعود إليها الفضل في خلق الوعي الثوري الحديث الذي جيل الأبناء مرة أخرى في 1985 وأطاح بنظام جعفر نميري، الذي أعاق تطورها الطبيعي. وأخذ هذا الوعي دورته أيضا في ديسمبر 2018 عبر الثورة السلمية واسعة المشاركة التي قادها الأحفاد وأنهت ديكتاتورية عمر البشير والإخوان المسلمين التي سيطرت على البلاد لثلاثين سنة.

في الواقع، لم تكن الثورة جديدة على السودانيين، فمنذ استقلال البلاد في 1956، قادوا ثلاث ثورات في الأعوام، 1964، 1985، 2018، وكان عدوهم دوما هو المؤسسة العسكرية المتربصة بالديمقراطية والممارسة المدنية للسياسة.

أما قبل ذلك فقد عرفوا الثورات ضد الاستعمار والأنظمة المستبدة، ما يشير إلى أن كل أب وأولاده شاركوا بشكل منفصل في ثورة من الثورات: 1885، 1924، 1956، وكذلك 1964، 1985، 2018.. ولا يبدو أن السودانيين سيكفوا عن هذه العادة.

معرض الصور