23/10/2023

تجارب ناجحة لصناعة الدستور في إفريقيا والعالم العربي

من كتيب للتثقيف المدني حول السلام والدستور والانتخابات
اعداد: مركز الطريق

تعد تجربة جنوب افريقيا من التجارب الناجحة استطاعت عبرها الانتقال بالدولة من ماضي اسوأ أشكال الفصل العنصري إلي دولة ديمقراطية حديثة. ثم أعقبتها عملية صناعة دستور كينيا التي تعد واحدة من العمليات الديمقراطية الناجحة حديثاً في إفريقيا. وعلى الرغم من أن العملية التي قادت إلى كتابته، تمت دون إسقاط النظام السياسي القائم إلا أنها تميزت بمشاركة شعبية واسعة ومتنوعة تطلبت صياغة العديد من المسودات. وأنتجت دستوراً تم التوصل إليه عبر حوار مفتوح شاركت فيه جميع مكونات المجتمع. وتم اعتماد المسودة النهائية بأغلبية ساحقة في الاستفتاء الذي جري عام 2010 في أعقاب حملة تثقيف مدني قادتها الحكومة الكينية.

وتعد تجربة تونس في صناعة دستور 2014 في أعقاب ثورتها الشعبية من التجارب الناجحة التي توجت بإنتاج دستور ديمقراطي متوافق عليه عبر أوسع مشاركة شهدتها تونس والمنطقة العربية، الأمر الذي أهلها لتصبح نموذج من النماذج التي تستحق الدراسة واستخلاص الدروس منها.

أهم ملامح تجربة جنوب إفريقيا في صناعة الدستور:

في ابريل من العام 1994، أُجريت أول انتخابـات غيـر عنصرية في جنوب أفريقيا، شارك فيها حوالي 86 %من الناخبين. وفي مايو 1994 اجتمع البرلمان الجديـد لأول مـرة بـصفته الجمعيـة التأسيسية لوضع الدستور النهائي الجديد للبلاد، وحتى هذا التاريخ لم يكـن للناس دور مباشر في وضع الدساتير. بيد أن ممثلـي الـشعب المنتخبـين الممثلين للجمعية التأسيسية قد بادروا للاتصال بالناس، وتثقيفهم دسـتورياً، ودعوتهم لإبداء وجهات نظرهم، عبر حمـلات فـي وسـائل الإعـلام، وحملات إعلانية في الصحف، ومحطات الإذاعـة والتلفزيـون ولوحـات الإعلانات، وعلى الحافلات، وكذلك في صحيفة تنشرها الجمعية التأسيـسية تُوزع بكميات ضخمة، وفي رسوم كرتونية، ومواقع الإنترنت، واجتماعات عامة. وقد طالت هذه الجهود مجتمعة حوالي 73 %من السكان.

تلقت الجمعية التأسيسية في الفترة من عام 1994 حتـى 1996 (2 مليون) اقتراح أو طلب من الأفراد وجمعيات حقوق الإنـسان، والنقابـات المهنية المختلفة. وعقب ذلك صاغت لجان الجمعية التأسيسية مسودة الدسـتور الجديـد، ونُشرت لأول مرة في نوفمبر 1995. وقامت بنشر مسودة أخرى معدلة عام 1996.

تم الانتهاء من المسودة النهائية في مايو 1996، وتم تقديم المسودة النهائية للمحكمة الدستورية التي راجعتها في الفترة من شهر يوليو إلـى سبتمبر 1996. ثم أعادته إلى الجمعية التأسيسية لإدخال بعض التعديلات عليه، ثم في ديسمبر 1996 صدقت المحكمة الدستورية على مشروع الدستور، ووقـع عليـه الرئيس مانديلا ليصبح دستوراً للبلاد.
أهم ملامح التجربة الكينية في صناعة الدستور:

تبنت الأطراف المشاركة في العملية السياسية في كينيا فكرة انعقاد مؤتمر دستوري موسع، يعكس تباينات المجتمع الكيني. واتفقت الأطراف المعنية على أن تكون تشكيلة المؤتمر الدستوري، لشعب كينيا، مؤلفة من 629 عضواً وعضوة، يكون تمثيلهم كالآتي: (223 عضواً من مجلس الشعب الكيني، 210 عضواً من القطاعات التي انتخبتها مجالس المقاطعات، 29 عضواً يمثلون لجنة الدستور كأعضاء لا يصوتون، 41 شخصاً يمثلون الأحزاب السياسية، 126 عضواً يمثلون مختلف القطاعات والمؤسسات الدينية والنساء والشباب والمجموعات المهنية، النقابات، المنظمات غير الحكومية وغيرها من المصالح). تم إختيارهم طبقا للنظام الذي حددته لجنة الدستور المسئولة عن إدارة عملية صناعة الدستور.

أعد المشاركون في هذا المؤتمر وثيقة مشروع دستور كينيا المستقبلي، بعد أن استطاعت فئات المجتمع وأحزابه أن تضغط باتجاه توسيع نطاق الحريات حتى يعبر الشعب عن رأيه وأن ينتقد الرؤى الأخرى بحرية ودون أدنى قيد. وتضمن مشروع الدستور تعديلات كبيرة للغاية في البنيان السياسي للدولة، وفي توزيع السلطات. وبلغت التعديلات الجوهرية التي ناقشها الدستور الجديد نحو 27 تعديل تم عرضها للاستفتاء، الذي انتصرت فيه مقترحات المعارضة علي مقترحات الرئيس، ونشرت علي إثره مسودة الدستور والتعديلات للمواطنين في الجريدة الرسمية، ثم قام الرئيس بحل حكومته.

نص الدستور الجديد على تقييد صلاحيات رئيس الجمهورية عبر إقامة نظام سياسي يهدف لتحقيق مبدأ التوازن في توزيع السلطات. ويقول مراقبون إن هذه النقطة كانت الأهم والأكثر قبولاً على المستويين السياسي والشعبي، لأن هذا البند سيمنع الرئيس من توزيع ثروة البلاد على المقربين والمحسوبين عليه عشائرياً وسياسياً.

خلق الدستور الجديد وضعاً من الثقة في الدستور من قبل الشعب، وأصبحت أحكام الدستور الجديد معروفة للكافة بفضل النقاشات الطويلة والحملات الدعائية المكثفة. ومن أبرز ما حرص عليه المواطنون هو ضمان محاسبة موظفي السلطة التنفيذية وضمان خضوعهم للقانون، وضمان نزاهة واستقلالية القضاء الوطني، والحد من السلطات الكبيرة التي كان يتمتع بها الرئيس الكيني.
كانت نسبة مشاركة المواطنين كبيرة للغاية بصورة عكست دور الشعب في صياغة دستوره، بالصورة التي تحقق أمانيه السياسية. وعكست مشاركة المواطنين الكينيين أهمية الدستور والثقافة الدستورية ودور الشعب في توجيه العملية الديمقراطية.
سياسياً، يشار إلى أن الرغبة السياسية في وسط الحكومة و المعارضة كانت قد وصلت حداً آثر الطرفين بعدها تشجيع مبادرة تعديل دستور الدولة. الرئيس مواي كيباكي ورئيس الوزراء رايلا أودينغا، تحالفا لصالح تأييد الاستفتاء، مما جعل أكبر تجمعين من السكان في البلاد يقفان وراء حملة (نعم) لصالح الدستور الجديد.

أهم ملامح تجربة تونس في صناعة دستور جديد :
بعد تغيير نظام بن علي ونجاح الثورة التونسية عام 2011، تم تعليق العمل بدستور 1959، وتم تعويضه بدستور تونس المؤقت 2011. ومن ثم راهنت تونس على العملية الدستورية كطريق إلى الحياة الديمقراطية الحقيقية، ضمن مسار انتقالي عرف بحركته صعوداً وهبوطاً، حتي أقر الدستور التونسي في (2014) ليصبح الدستور الثالث في البلاد.

أجريت انتخابات للمجلس الوطني التأسيس في 23 أكتوبر 2011 نتج عنها انتخاب 217 نائب، مكلفين بمهمة رئيسية وهي إنشاء دستور جديد للبلاد، إلى جانب مهام تشريعية أخرى. وبعد تجاذبات سياسية وبرلمانية أثناء كتابة الدستور، تم التصويت على الدستور التونسي الجديد، فصلاً فصلاً، ثم نصاً متكاملاً، في إطار الترتيبات التي نص عليها القانون المنظم للمرحلة الانتقالية.

اتسم السياق العام الذي اكتنف عمليات التصويت تلك، بالاستقطاب السياسي الحاد والصراع الأيديولوجي حول علاقة الدولة بالدين في ظل استقطاب ثنائي لم تفلح آلية التوافق التي تم إقرارها وتقنينها بإيعاز من الرباعي الراعي للحوار الوطني في كسره، رغم أنها حدت من تأثيره على مواقف الفرقاء السياسيين بشكل واضح.

دار الحوار بين زعماء الأحزاب الممثلة بالمجلس الوطني التأسيسي برعاية كل من الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وعمادة المحامين، في إطار تفعيل خارطة الطريق التي اقترحها هذا الرباعي للخروج من خضم الأزمة السياسية في (2013). وقد أفضى ذلك الحوار إلى الاستقالة الطوعية لحكومة (حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتل من أجل العمل والحريات) في إطار اتفاق ينص على تلازم المسارات التأسيسية (مسار كتابة الدستور ومسار انتخاب اللجنة العليا المستقلة للانتخابات ومسار تغيير الحكومة). وقد تم التوافق، ضمن السياق نفسه، على تشكيل حكومة جديدة تتكون من كفاءات وطنية مستقلة تدير ما تبقى من المرحلة الانتقالية، وتهيئ المناخ المناسب لأول انتخابات رئاسية وتشريعية في ظل دستور تونس الجديد.

رغم التوتر الذي خيم على معظم جلسات التصويت التي عقدها المجلس الوطني التأسيسي بشكل متسارع، في سباق واضح مع الزمن الذي فرضته مصفوفة الاستحقاقات الدستورية التي تضمنتها خارطة الطريق، إلا أن رؤساء الكتل قد نجحوا في تحقيق الحد الأدنى من التوافق حول مضامين معظم فصول الدستور، رغم التناقضات القائمة بين مرجعياتهم والأجندات الحزبية والانتخابية التي ما انفكت تلقي بظلالها على مواقفهم. على أن أكبر مطب واجه هؤلاء الفرقاء وجعل توافقاتهم هشة هو ضعف الثقة فيما بينهم، والتوجس الذي نتج عن ذلك ووسم النقاشات التي دارت حول الفصول المثيرة للجدل، ولاسيما الباب السادس الخاص بالهيئات الدستورية المستقلة الذي لم تتم المصادقة عليه إلا في الجلسة الختامية بعد تعديله مراراً وتكراراً.
ضم الدستور التونسي الجديد مائة وتسعة وأربعين فصلاً موزعة على عشرة أقسام؛ وهو يُعتبر من الدساتير الطويلة. ويُعزى طول هذا الدستور مقارنة بدستور سنة 1959 وبعموم الدساتير حول العالم إلى الإسهاب في إبراز بعض التفاصيل القانونية والخوض في بعض المسائل الجزئية التي يكون موضعها في الأصل في النصوص القانونية وليس الدستور. ولكن إذا أخذنا في الاعتبار التجاذبات السياسية والخصومات القانونية والبرلمانية التي أحاطت بكتابة هذا الدستور، نفهم سر الإصرار علي تدقيق بعض المسائل التي يخشى الفرقاء السياسيون أن تمثل مطبات حقيقية ساعة تطبيق الدستور بحيث قد تُؤوَّل على معانٍ كثيرة قد تصل حد التضارب فتغذي حينئذ الاستقطاب الثنائي الذي طفا على السطح في ختام مناقشة الدستور، ولاسيما فيما يتصل بمحتوي بعض المواد الخلافية.

ومع ذلك كله، يُحسب لهذا الدستور، الذي جاء توافقياً بامتياز وكُتب بمفردات تواكب لغة القرن الحادي والعشرين، أنه عبّر عن إرادة أطياف واسعة من التونسيين، وكان للمجتمع المدني نصيب في صياغته قلّما حظي به حتى في أكثر الدول ديمقراطية واحتراماً لحقوق الإنسان.

تضمنت توطئة الدستور الجديد إحالات كثيرة إلى مراجع المجتمع التونسي ورموزه، وتأصيلاً لهذا النص الدستوري في بيئته وثقافته التونسيتين في انفتاحهما على التجربة البشرية المتنوعة. كما تضمنت إشادة بتضحيات الشهداء وتثميناً للسيادة الوطنية وتأكيداً على استقلالية القرار الوطني.

ولعل أهم ما ميز تجربة تونس في صناعة دستورها الجديد أن حركتها السياسية على اختلاف مشاربها ومرجعياتها، راهنت على العملية الدستورية واعتبرتها طريق المرور بأمان إلى الحياة الديمقراطية الحقيقية بما يسمها من تعايش واحترام للاختلاف وتنافس نزيه بين السياسيين على خدمة الصالح العام في إطار الثوابت الوطنية.

وقد عكست اللحظات التي أعقبت المصادقة النهائية على الدستور الجديد في ساعة متأخرة من مساء يوم 26 يناير 2014 وحدة التونسيين وتوافقهم على صياغة دستور يعبّر عنهم (جملة وتفصيلاً)، فهو يعبّر عن هويتهم الوطنية الجامعة، وأيضاً عن خصوصياتهم الثقافية والجغرافية والفكرية والسياسية، ويمثل الحاضنة التي يحتكمون إليها في ما يمكن أن يواجه البلاد من الاختلاف بين مكوناتها السياسية.

علي الرغم من ان عملية صناعة دستور تونس كانت ايجابية في مجملها إلا أن البرلمان (المجلس الوطني التأسيسي) وجد صعوبات في العديد من المجالات الهامة من بينها التخطيط والاتصال والمشاركة العامة والشفافية. كانت أغلب المشاكل التي واجهتها عملية الصياغة من المشاكل التي تعترضها أي ديمقراطية ناشئة. ولم يكن رؤساء ونواب المجلس الوطني التأسيسي ومساعديهم الإداريون متعودون علي العمل في محيط ديمقراطي. ولم يكونوا علي دراية بأهمية الشفافية مع المواطنين والتوعية العامة والعلاقات العامة مع الاعلام والاستشارة مع المجتمع المدني. وقد أضعفت هذه العوامل العلاقة بين الشعب التونسي والمجلس ونتج عنها استياء عام متصاعد وتصور ان المجلس يعمل بمسئولية ضعيفة تجاه الناخبين الذين قاموا بانتخابه.

معرض الصور