05/11/2023

حرب ابريل السودانية ثقاب الكذب والتضليل

الزين عثمان

خاض السودانيون حرباً في الجنوب لما يزيد عن نصف قرن قبل ان تنتهي في طاولات التفاوض ويمضي جنوب السودان لتكوين دولته المستقلة. ونهاية حرب الجنوب كانت أيذانا بانطلاق حرب جديدة في اقليم دارفور لم يكن التعامل معها مختلفاً وانتهت ايضاً في طاولات التفاوض. ومنذ 204 يوماً يشتعل الصراع بين الجيش والدعم السريع والتي دخلت شهرها السابع وسط مطالب باستمرارها وحسمها عسكرياً وفقاً لشعار "بل بس" وهو الشعار الذي يدعمه مناصري الحرب دون وضع لاعتبارات للمألات الكارثية الناتجة عن الحرب وتأثيراتها.

في وقت سابق وصف قائد الجيش السوداني الجنرال عبد الفتاح البرهان والذي يخوض الحرب ضد نائبه في مجلس السيادة الانتقالي الجنرال حميدتي، وصفها بانها حرب عبثية. استخدام توصيف العبث لما يجرى في البلاد منذ سبع اشهر يطرح في المقابل سؤال وما الذي يدفع لاستمرار هذا العبث؟

اتهمت قوى الحرية والتغيير والتي اجتمعت مؤخراً في العاصمة الاثيوبية اديس ابابا وشكلت جبهة لايقاف الحرب واستعادة النظام الديمقراطي نظام الرئيس المعزول وقياداته بالمسؤولية عن اندلاع الحرب والتي اطلق عليها البعض "حرب كرتي" في اشارة للقيادي الاسلامي والامين العام للحركة الاسلامية على كرتي. وهو نفس الاتهام الذي اطلقه قائد قوات الدعم السريع حمدان دقلو الذي قال في اخر تسجيل مصور له ان قائد الجيش يتلقي تعليمات الاستمرار في الحرب من علي كرتي.

حسناً مشاركة قيادات النظام السابق ومكوناته في الحرب هل هي السبب الوحيد الذي ادي لاستمرارها لكل هذه الفترة رغم قناعة الطرفين باستحالة الحسم العسكرى لها؟ في الاجابة على هذا السؤال يقول مصعب محمد على المحلل السياسي واستاذ العلوم السياسية لـ "مواطنون" ان ما زاد من وتيرة الحرب واستمراريتها حتى الأن هو استثمار طرفيها في الكذب ما يمكننا ان نصف حرب ما بعد ابريل بانها حرب الكذبات الكبرى انطلاقاً حتى من مبررات خوضها من قبل الجانبين. ففي الوقت الذي يقول قائد الجيش بانها حرب من اجل الكرامة يقول قائد الدعم السريع بأنها حرب ضد منسوبي وفلول النظام السابق ومن اجل اقرار التحول الديمقراطي. وتبدو المفارقة وفقاً لمصعب فان الطرفان شركاء في الانقلاب على الثورة وعلى سلطتها المدنية ليس ثمة حقيقة في هذه الحرب التي تشتعل فوق اجساد المدنيين السودانيين أكثر وضوحاً من ان طرفيها يمارسون الكذب على رؤوس الاشهاد ويحاولون لى عنق الحقيقة من اجل تحقيق انتصار اعلامي بغض النظر عن الحقيقة في الميدان.

ويُتهم "البلابسة" من انصار استمرار الحرب باستخدام التضليل الاعلامي وعكس الحقائق من اجل حشد المواطنيين لدعم خيار الحرب، وهو التضليل الذي انطلق مع انطلاق الرصاصة الأولي حيث تم تحديد ساعات حسم الحرب في ست ساعات ينتهي بعدها كل شيء وتعود الامور لنصابها. والساعات الست سرعان ما تم تغييرها باستخدام عبارات من شاكلة نحن على مقربة من انتصار الجيش على الدعم السريع وهي اللحظة التي استمرت لسبع اشهر وما تزال في الحرب بقية. لم تنحصر عملية التضليل الاعلامي في تحديد زمان لحسم الحرب وانما تواصلت حتى مع تحديد حجم الخسائر في صفوف الدعم السريع حيث نشطت صفحات في نقل اخبار على شاكلة "تم تدمير عدداً من السيارات القتالية لقوات العدو وتم قتل العشرات منه في مواجهة مع قوات العمل الخاص وايضاً تم تحرير عدداً من المناطق. اكثر من ذلك فقد انتهجت عمليات التضليل الاعلامي اسلوب نفي سقوط المناطق العسكرية في قبضة قوات الدعم السريع وهو تضليل لم تسلم منه حتى العملية التفاوضية التي تجرى الان وسط حالة من التكتم في مدينة جدة السعودية.

سبع أشهر من استمرار الحرب شهدت كل انواع الانتهاكات دفع في مواجهتها المباشرة المدنيون السودانيين فاتورتها كاملة من دمائهم وممتلكاتهم ومن راحتهم النفسية. حرب تشتعل نيرانها بثقاب الكذب والتضليل. حرب يحتاج فيها الناس الصدق في تلقي اخبارها والصدق المضاعف في عملية السير نحو وضع نهاية لها عبر التفاوض فلا حسم عسكري يلوح في الافق القريب.

معرض الصور