14/11/2023

جنة رضوان

عثمان فضل الله
يتطلع ما لا يقل عن 2 مليون مهجر للعودة إلى الخرطوم، المدينة التي أحبوها وألفوا الحياة فيها. غير أن العاطفة التي تشدهم إلى مدينتهم التي احبوها تعميهم عما جرى فيها وعليها خلال 200 يوم من القتال.

الخرطوم التي يريدون العودة إليها فور توقف القتال، تبدّلت معالمها تماما. اختفت تفاصيلها وسط ركام من المباني المنهارة، وسواد الحرائق التي اشتعلت وانطفأت لوحدها. فالحرب هناك ليست كما الحروب التي يشهدها العالم الحديث، إنها حرب القرون الوسطى.

يقول ناجون من الموت إنهم خرجوا من مدينة لا يعرفونها، تنتشر فيها رائحة البارود في كل شبر من أرضها. يغطيها دخان أسود، وتسعى فيها الكلاب المسعورة. حتى الفئران لم تعد ذاتها، إن تمكنت وأنت نائم قد تقضم جزء من جسمك. يصفونها بمدينة الرعب، فالموت يتربص بك في كل زاوية منها.

رغم عدم وجود إحصاءات دقيقة لكن يقدر الخبراء، إضافة لجسر شمبات الذي دمر السبت الماضي، عدد المنشآت التاريخية والحيوية التي دمرتها الحرب، وتلك التي طالها الخراب، بما يزيد عن 120 منشأة، وقدر بعض الاقتصادين كلفة الدمار الذي حاق بالبنية التحتية بأكثر من 100 ملياردولار.

معلوم أن جسر شمبات هو واحد من أحد عشر جسراً رئيسياً تربط مدن العاصمة الثلاثة، غير أنه لم يكن المنشأة الوحيدة التي طالها الدمار بسبب القصف الجوي والأرضي المتبادل بين طرفي القتال. دمر قبله، بشكل كامل، سوق سعد قشرة ذائع الصيت في الخرطوم بحري. ودمر بشكل جزئي سوق أم درمان التاريخي. كما طال الخراب السوق العربي والافرنجي في الخرطوم، وهما من الأسواق التاريخية أيضا. وطال الدمار أجزاء من جامعتي الخرطوم والسودان، ولم ينج متحف التاريخ الطبيعي في وسط الخرطوم، الذي يحوي مجموعات نادرة من سلالات الحيوانات والطيور. وخرب بشكل كبير القصر الجمهوري الذي يصل عمره إلى 190 عاما. ودمرت كذلك بشكل كامل مباني القيادة العامة للجيش السوداني، التي تحوى سبعة أبراج حديثة البناء إضافة إلى مطار الخرطوم.

كما تعرض 35 مبنى آخر لخطر الدمار، من بينها مقر وزارة المالية والاقتصاد الوطني ودار القضاء، وهما أيضا من المباني التاريخية، إلى جانب مقر البريد (دار الهاتف). بالإضافة إلى قيمة تلك المباني التاريخية وطرازها المعماري الفريد؛ يحوي جزء منها موجودات ذات قيمة مادية وعلمية وتأريخية كبيرة، مثل دار الوثائق والمتاحف، ومكتبة السودان التي تحتوي على كل ما كتب عن السودان منذ الفترة الاستعمارية، إلى جانب مخطوطات وكتب نادرة لم تتوفر لها الحماية الواجبة.

ولا أدري إن كانت متاحف العاصمة الأخرى، التي تقع بعيداً عن وسط الخرطوم قد نجت من التخريب، مثل متحف الخليفة عبدالله في أم درمان، وهو المتحف الذي يؤرخ لفترة المهدية التي يعتد بها السودانيون كثيرا، وكذلك متحف الخرطوم الذي يسلط الضوء على حقب مختلفة من التاريخ السياسي والاجتماعي للبلاد ويحوي قطعا آثرية لا تقدر بثمن، ولا يعرف العاملون في المتحف الذين تم التواصل معهم مصيرها.

كل ذلك الخراب مضاف إليه الخراب الذي حل بالأحياء مثل الخرطوم 2، وأم درمان القديمة، التي تكاد تكون باتت مجرد ركام، بجانب أجزاء واسعة من أحياء الرياض و كافوري وحلة حمد والصبابي وشمبات وغيرها من الأحياء، جعل الخرطوم مدينة جاثية على ركبتيها، وخارت قواها وتبدلت معالمها.

حدائق (حبيبي مفلس) أو حدائق الشعب أو 6 أبريل، سمها ما شئت، جفت زهورها، وتحول اخضرارها صفصفا تنبت فيها بعض شجيرات العشر. وتقف أشجار النيم واللبخ فاغرة فاهها وهي تراقب الخراب وتسأل عن العشاق الذي كانوا يستظلون بظلها.

نعم تبدلت معالم الخرطوم التي نعرفها. فالمدينة المطبوعة في ذاكرة كل منا لم تعد موجودة. سنعود إلى مدينة أخرى لا نعرفها، قد تتعرف هي علينا ولكن نحن لن نجد "جنة رضوان" التي تركناها خلفنا صبيحة 15 أبريل.

معرض الصور