12/01/2024

هل للصُّمود عُنوانٌ آخرٌ غير (وائل الدحدوح)؟

محمد عبد الماجد

‌أشعر بالضيق كله، تفرفر (الروح) في البدن مثل (فرخ القطة الأماته ركن وفرّن)، عندما أخرج من بيتي وأجد أن تحرُّكي من بيتي إلى السوق، يلزمني أن أحمل أوراقي الثبوتية، أقلاها وثيقة السفر أو الرقم الوطني بسبب (ارتكازات مليشيات الدعم السريع). ‌الطريق إلى السوق لا يمر بنقطة حدود أو مطار دولي، لكن ارتكازات الدعم السريع تستوجب ذلك!

‌نشاهد الانتهاكات التي تقوم بها قوات الدعم السريع، ونشهد عمليات سلب ونهب تستهدف منازل المدنيين وممتلكاتهم. يحدث ذلك أمام أعيننا، ولا نملك غير أن نهمس فيما بيننا بكلمة (شفشفة)، نكتفي بهذا القدر من المقاومة!

‌وقصف طيران الجيش لا يُفرِّق بين المواطن والأهداف العسكرية، وبين الوطن واللا وطن، والسودان واللا سودان.

‌نتضجّر ونتذمّر بسبب سماع دوِّي الرصاص، وأشعر أن هذا الأمر يفقدنا الأمن والطمأنينة. ‌نحس أنّ الدنيا كلها أظلمت عندما يقطع التيار الكهربائي. وعندما تخرج هواتفنا السّيّارة من خدمة الإنترنت، نحس أنّنا جُرِّدنا من أدنى مقومات الحياة، وأنّ الحياة بدون تلك الخدمة لا طعم ولا رائحة ولا لون لها! ‌بدون خدمة الإنترنت نبدو مثل النعام، ندفن رؤوسنا في الرمال. ‌أحياناً كثيرة يُصيبنا اليأس ونبدو كأجزاع النخل الخاوية، أو كأنّ على رؤوسنا الطير.

‌(9) أشهر من الحرب، نشاهد فيها انهيار وطن، تتلاقفه الأخبار. ‌(9) أشهر من الحرب، تصدّعت فيها مُؤسّساتنا ومنشآتنا وجسورنا وأعصابنا. ‌(9) أشهر من الحرب، أصبح فيها المواطن السودان (نازحاً) حتى وهو في وطنه، (لاجئاً) حتى وهو في بيته، ينتظر هبات الدول ويستجدي عطفها. ‌(9) أشهر من الحرب، كانت بمثابة ليل ننتظر فجره، لتكون هذه الفترة، أطول ليل يمر على الأرض. تشرق الشمس في كل يوم ولكن لا يحس بها أحدٌ. ‌(9) أشهر من الحرب، كان الدرس الأول فيها لأطفالنا، كيف يستعملون الساتر؟ والدرس الثاني كيف يتجنّبون الرصاص؟ هكذا يمر عامهم الدراسي وهم يكبرون أمامنا على صوت الرصاص!

‌علّمناهم أن يتوالفوا مع النيران. فهي كلها (نيران صديقة) تُطلق من أبناء الوطن! ‌ربما لو كانت تلك النيران تأتي من العدو لما تركت فينا كل هذه الحسرة. ‌(9) أشهر من الحرب، نأكل فيها ونشرب وننام ونضحك. نفعل كل ذلك ولكن بلا حياة، بلا أمان. ندرك أنّ (اللقمة) التي تدخلها فمك، ربما تموت قبل أن تصل حلقك. إذا دخلت غُرفةً في بيتك لا تعرف هل سوف تخرج منها حيّاً أو ميِّتاً؟ ‌إنّنا جثث نمشي بلا أكفان.

‌(9) أشهر، ونحن ننتظر لا شيء. فكل الأشياء متشابهةٌ، نفعل اليوم ما فعلناه بالأمس، وهو نفسه ما سنفعله في الغد. ‌المَلَل يتسرّب إلينا رغم أنّ أخبارنا كلها تُعنون بـ (خبر عاجل). ‌(9) أشهر من الحرب، نشرب (الشاي) و(القهوة) بلا طعمٍ، حتى عندما نضاعف عدد ملاعق السُّكّر! ‌فقدت الأشياء نكهتها.

‌(9) أشهر من الحرب، لا يُوجعنا هذا الذي يحدث لنا. هذا الوجع مقدورٌ عليه حتى ولو فقدنا كل ما نملك. يُوجعنا أن نشاهد وجع هذا الوطن، تمزِّقه وتشظيه. دماره وخرابه. ‌ليس هنالك وجعٌ أو حزنٌ أكبر من أن تشاهد وطنك ينزع أمامك كأقفاص الفراخ. وطن يُمزّق ويُنتف كريش الحمام. ‌أم درمان أصبحت بلا أمان، ومدني تحوّلت إلى ثكنة عسكرية، والجنينة لا تحصد منها غير الرصاص.

‌(9) أشهر، ونحن أمام شاشات التلفاز نشاهد خيبتنا، ونرى قيادات البلاد تُحرِّكهم المرارات الشخصية. وسط كل هذه الخرابات لا يغضبهم إلّا كلمة خرجت من طرف في حق الطرف. إنّهم لا يحتملون حتى الكلمات وهم في قصورهم، بينما أبناء هذا الوطن يحتملون الرصاص والمدفعية والقصف. ‌مدارس مُغلقة، وجامعات مجمّدة، ومؤسسات مُشلّعة، ومنشآت مُنزعة، وهم أي قيادات البلاد يتنابذون على مواقع التواصل الاجتماعي عبر مقاطع الفيديو المسجلة أو المباشرة! ‌يفتخرون بتدمير جسر شمبات وقصف مصفاة الجيلي.

‌أنا لا ألوم تآمر بعض الدول علينا، أو كيد المجتمع الدولي إذا كانت قيادات هذا الوطن بهذه المواصفات، وتلك الروح التي تُوجد في (البوم)، الذي لا يعجبه غير الخراب. ‌كل هذه الجراح تبقى صغيرة، بل تصبح سخيفة وضيئلة ولا وزن لها أمام مصاب الصحفي الفلسطيني وائل الدحدوح. ‌إنّنا نشعر بالخجل من تضجُّرنا، ومن ضيق صدورنا أمام صمود وائل الدحدوح. ‌هل للصمود عنوانٌ آخر غير وائل الدحدوح؟

‌عمدت قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى استهداف الدحدوح الأب وعائلته بشكل مُمنهجٍ. فاستشهدت زوجته وابنه وابنته وحفيده في أكتوبر 2023، كما تَمّ استهدافه وزميله المُصَوِّر الشهيد سامر أبو دقة في ديسمبر 2023. ‌لم تَكتفِ مصائب الدحدوح بهذا القدر الذي لا يُطَاق من الوجع، فاستُشهد نجله الصحفي حمزة الدحدوح يوم 7 يناير 2024 في قصف إسرائيلي استهدف صحفيين غربي خان يونس. ‌في أقل من ثلاثة أشهر، فَقَدَ وائل الدحدوح خمسة من أفراد أسرته.

‌هذه مصائب لا يحتملها الفرد. إنّ تلك المصائب لا طاقة لنا بها حتى وهي تحدث لمجموعة متفرقة من البشر. لا نحتملها كخبر عالمي، فكيف إن حدثت كل هذه المصائب لشخصٍ واحدٍ، وهو مازال صامداً وثابتاً، كأنّه ينقل حَدَثَاً لا يعنيه في شئ وهو يواصل في رسالته الإعلاميّة ومهامه النضاليّة.

‌خلال بثٍ مباشر مع القناة القطريّة قُبيل الثامنة مساءً بقليل (توقيت فلسطين)، وفي غمرة حديث وائل مع صحفي الجزيرة عبد السلام فارح، تلقّى مكالمة هاتفيّة تُفيد بأنّ المنزل الذي نزحت اليه أسرته في مخيم النصيرات قد تعرّض لقصفٍ إسرائيلي، ما دفعَ وائل للانسحابِ من البثّ، وهرعَ مُسرعاً لعينِ المكان، ليكتشف أنّ الغارة الجوية الإسرائيليّة طالت المنزل الذي كانت تُقيم فيه أسرته رفقة أسرة ثانيَة في منزل قريب وهي أسرة عوض. ‌ما أسوأ الأخبار التي تأتي عند الثامنة مساءً.

‌قال «الدحدوح»، إنّ لحظة استشهاد أفراد أسرته، كان يقوم بدوره كمراسل صحفي على الهواءِ، يتحدّث عن الغارات الإسرائيلية التي طالت مكان أسرته مساء يوم الأربعاء 25 أكتوبر الماضي، قائلاً: «كنت أزيل الأنقاض وأجد أفراد أسرتي ما بين شهيد وجريح، من بينهم حفيدي الذي لم يتجاوز الأشهر، وابني البالغ من العمر 17 عاماً، وزوجتي، وابنتي التي لم تتعدَ الـ7 أعوام». ‌ما اصعب ان تجد افراد اسرتك بين الانقاض.

‌سيرة وائل الشخصية عُرفت بهذا الصُّمود. فهو على هذا الدرب منذ أن ولد (وائل حمدان إبراهيم الدحدوح (أبو حمزة)، (وُلد في 30 أبريل 1970). هو صحفي فلسطيني وُلد ودرس في مدينة غزة، وقضى معظم سنين حياته فيها، كما اُعتُقل سبع سنواتٍ في سجون الاحتلال الإسرائيلي). ‌قضى سبع سنوات في سجون العدو الإسرائيلي التي تخلو من الرحمة والإنسانية، ونحن (9) أشهر من الحرب في بيوتنا لا نستطيع أن نحتملها. ‌كم عظيمٌ هذا الدرس الذي يُقدِّمه لنا الدحدوح.

تعرّضَت أسرة الصحفي الفلسطيني يوم 25 أكتوبر 2023 لقصفٍ جوّي إسرائيلي طالَ المنزل الذي نزحت له في مخيم النصيرات، ما تسبّب في مقتل زوجته وابنه وابنته وحتى حفيده، وذلك بعد أن كانت سلطات الاحتلال قد حثَّت المواطنين على النزوح لجنوب القطاع بدعوى أن المنطقة هناك آمنةٌ.

‌عندما شاهدت على شاشات قناة الجزيرة الدحدوح يحمل حفيده وهو جثة، حسدته على هذا الصُّمود، حُـزنه كان كبيراً، ولكن صموده كان أكبر. ‌لقد انتقل الدحدوح من تغطية الحوادث والمجازر التي ارتكبها العدو الإسرائيلي في قناة الجزيرة إلى تجسيدها. ‌لقد كان حفيده في صدره مثل قطعة القماش البالية وهو جثةٌ هامدةٌ، لم ينكسر الدحدوح، فقد قتل ألف إسرائيلي بهذا الصُّمود.

‌إنّ الإنسان يكبر عندما يكبر على أحزانه، ويعلو الإنسان بصموده وصبره، وبقدرته على مُجابهة الصِّعاب بصبرٍ واحتسابٍ.
‌أظهرت مقاطع فيديو مُصوَّرة، اللحظات الأولى التي تلقّى فيها وائل خبر الاغتيال الإسرائيلي لعددٍ من أفراد أسرته، والتأثُّر والحُزن يطغى عليه وهو يقول: «بنتقموا منا بالأولاد؟ دموعنا دموع إنسانية، وليست دموع جُبن وانهيار، فليخسأ جيش الاحتلال»! ‌لقد خسأ جيش الاحتلال بصمودك هذا يا أبو حمزة.

‌العدو وحلفاؤه لم يحتملوا مشاهد صُمود الدحدوح وهو يتعرّض لكل هذه الفواجع. فقد طلب وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن من رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني «تخفيف حدة خطاب الجزيرة» حول عملية طوفان الأقصى وما تلاه من غارات جويّة عشوائيّة لم تتوقّف على القطاع. ‌إنّهم لم يحتملوا صموده، أعجزهم ثباته وهو ضحية لحربهم اللعينة.

‌إنّهم يطلبون من الإعلام العربي أن لا يعرض ضحايا الفلسطينيين. ‌الجناة لم يحتملوا تلك المشاهد فكيف هو حال الضحايا؟ ‌ثم لا ينكروا بعد ذلك انفطار قلوبهم. لقد كان مشهد أبو حمزة وهو ينقل خبر حتف أسرته مُهيباً، لم يقوِ العدو لمشاهدته! ‌خلال كلمتها في اجتماعِ الأمم المتحدة، قالت ليندا توماس - غرينفيلد مندوبة أمريكا، إنّ «قلبها منفطرٌ على ضحايا أسرة صحفي الجزيرة وائل الدحدوح وكل المدنيين في غزة». ‌نشكر ليندا توماس - غرينفيلد على هذا الشعور من الانفطار.

‌ثُمّ بعد كل هذه الكلمات وكل هذه الفواجع التي نزلت على قلب وائل الدحدوح، استُشهد نجله حمزة الدحدوح يوم 7 يناير 2024 في قصف إسرائيلي استهدف صحفيين غربي خان يونس. ‌فواجع وائل مثل المسلسل المكسيكي لا تنتهي، كلما فَقَدَ عزيزاً، فَقَدَ بعده عزيزاً آخر، دون أن يكسر فيه ذلك صموده أو يفتر نضاله.

‌نحن نفخر بأنّنا ننتمي إلى مهنة يمثلها وائل الدحدوح. ‌مدّنا الدحدوح بصُمود لا ينتهي، وإن كانت حسرتنا أكبر، لأنّ ما يحدث في غزة يحدث من العدو الإسرائيلي، وما يحدث في السودان يحدث بفعل أبنائه. ‌الممثل المصري توفيق عبد الحميد قال: (كلما كانت تمر بي أزمة، أتذكّر أمثال وائل الدحدوح حتى استطيع الصبر والاحتمال، وأشعر ساعتها بضآلة ما أعنيه وأحمد الله).

‌نحن نخجل، لأنّ ما يحدث عندنا في السودان يحدث بأيدي أبناء الوطن. ‌اللهم لا تبتلينا ولا تجزعنا في أهالينا ولا في أوطاننا.

معرض الصور