15/01/2024

مفهوم بناء السلام

فهيل جبار جلبي
يمكن القول أن الملامح الاولى لمفهوم بناء السلام بدأت في الظهور مع مبادئ ويلسون الأربع عشرة، لكن هذا المفهوم بدأ يتبلور مؤسساتياً مع تقرير الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بطرس غالي الصادر عام 1992، مضمناً إياه أربعة مصطلحات رئيسية تشكل حلقة متكاملة تبدأ بالدبلوماسية الوقائية وتستمر مع صنع السلام وحفظ السلام لتصل إلى مرحلة بناء السلام.

فقد عرف الامين العام الأسبق للامم المتحدة (بطرس بطرس غالي) بناء السلام بقوله: ما أقصده بعبارة بناء السلام بعد انتهاء الصراع هو "الإجراءات المتخذة في نهاية الصراع لتعزيز السلام ومنع عودة المجابهة المسلحة".

ويعرف عالم الاجتماع النرويجي (جون كالتونج ) بناء السلام بانه "عملية إنشاء هياكل دعم ذاتي تزيل أسباب الحروب وتقدم بدائل لها في الحالات التي قد تحدث فيها الحروب. وينبغي أن تدمج آليات حل النزاعات في الهيكل المجتمعي وأن تكون موجودة كخزان داخل نظام المجتمع نفسه للاعتماد عليها، تماما كما الجسم السليم لديه القدرة على توليد الأجسام المضادة الخاصة بها، ولا تحتاج إلى إدارة مخصصة كالطب".

أيضا يعرف الكاتب الامريكي جون بول ليديراخ بناء السلام بأنه " مفهوم يضم العمليات التي يقوم بها الفواعل المحلية التي هي كل قوى المجتمع فردا وجماعة، وكذا السلطة، والفواعل الدولية من مؤسسات دولية ومؤسسات غير دولية ودول التي تهدف إلى لإنعاش المجتمع المدني وإعادة بناء البنية التحتية واستعادة المؤسسات التي حطمتها الحرب أو النزاعات الأهلية للمجتمعات، وقد تسعى هذه العمليات إلى إقامة هذه المؤسسات إذا لم تكن موجودة بما يمنع نشوب الحرب مرة أخرى من شأنها ان تدفع لتمتين عملية بناء السلام".

من خلال تحليل تعريف جون بول ليديراخ، نرى أنه حدد الفواعل في عملية بناء السلام، وأن بناء السلام ينطوي على البحث في الأسباب العميقة للنزاع من خلال إعادة بناء البنى التحتية ككل وهذا ما يدفع لإنهاء النزاع ككل.

وعليه يتبين من التعاريف اعلاه ان بناء السلام هو مشاركة كافة فئات المجتمع وبمختلف انتماءاتهم الاثنية والدينية والعرقية والقومية والفكرية، في معالجة اسباب النزاع وتحقيق العدالة، والقيام بعملية البناء الانساني والاعماري والاقتصادي للدولة، وهي اجراءات لابد منها بعد انتهاء النزاع، وعلى جميع المستويات بدءاً من القمة ووصولا إلى قاعدة المجتمع.

التمييز بين بناء السلام والمفاهيم المتداخلة معه
يختلف مفهوم بناء السلام عن مجموعة من المفاهيم المشابهة له نذكر منها ما يلي:
1. حفظ السلام Peacekeeping:
حفظ السلام مصطلح يصعب وضع تعريف دقيق له او تعريفه جامعاً ومانعاً وشاملاً، فقد يقصد به تيسير الانتقال من حالة النزاع الى حالة السلام، وهو بهذا يعتبر نقطة المنتصف بين السلام والحرب، وعرف بأنه "عملية نشر أفراد عسكريين ومدنيين في منطقة النزاع بموافقة أطراف النزاع او السلطات الوطنية، من أجل وقف او احتواء الأعمال القتالية والاشراف على تنفيذ اتفاقية السلام، والمساعدة في الاغاثة الانسانية، وكذلك الامتثال لحقوق الانسان وبناء الدولة"، وهو مصطلح يشير إلى كل الجهود التي تتخذ أثناء النزاع بغرض تخفيضه أو إزالة مظاهر النزاع وتثبيت تفاعليات النزاع على درجة من اللاعنف يمكن معها استكشاف أساليب لادارة واصلاح النزاع، وان الغرض من حفظ السلام ليس حل النزاع من جذوره وإنما الحد من العنف.

2. صنع السلامPeace Making :
ليس هناك تعريف مانع وجامع وشامل لمصطلح صنع السلام ايضاً، حيث ان كل مؤلف يتناول المفهوم وفقا للحالة او الشكل الذي يكون عليه الوضع على كافة المستويات الشخصية والوطنية والدولية، عليه هناك العديد من التعاريف التي تناولت هذا المفهوم، فهناك من عرف صنع السلام على انه"عبارة عن الأنشطة الرامية الى ابرام اتفاق بين الأطراف المعادية او المتحاربة، وذلك عبر الوسائل السلمية، مثل التفاوض والوساطة والتحكيم او اللجوء الى الوكالات او الاتفاقيات الاقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية". وعرف صنع السلام كذلك بأنه "عبارة عن نهج يتبع في تسوية النزاعات والذي يعتمد اعتماداً كبيراً على تلبية احتياجات العدالة للمجتمع ككل وليس الفرد فقط". ويشير صنع السلام إلى الجهود والعمليات التي تتضمن أي عمل يهدف إلى دفع الأطراف المتحاربة للتوصل إلى اتفاق سلام من خلال الوسائل السلمية كالتفاوض والتحاور بين الأطراف واستعمال الوسائل الدبلوماسية لحل النزاع، وتجدر الإشارة إلى أن صنع السلام لا يتضمن استخدام القوة العسكرية ضد أي من الأطراف لإنهاء الصراع.

3. فرض السلام Peace Enforcement : .
ينصرف هذا المفهوم إلى استخدام القوة المسلحة أو التهديد من أجل إرغام الطرف المعني على الامتثال للقرارات والعقوبات المفروضة من أجل الحفاظ على السلم والنظام، وقد تتضمن جهود فرض السلام إجراءات غير عسكرية كالعقوبات، أو إجراءات عسكرية.

ويتبين مما سبق أعلاه أن مفهوم بناء السلام أوسع من المصطلحات الأخرى من حيث كونه عملية واسعة وتشمل جوانب عديدة في المجتمع. وإن الانتقال من حفظ السلام وصنع السلام إلى بناء السلام كانت له مقدمات بحيث عمل العديد من المفكرين على ايجاد طريقة لدعم عمليات حفظ السلام وصنع السلام ومحاولة إيجاد بديل يمكن الأطراف المتنازعة من استعادة الثقة واستعادة ما دمرته الحرب من بنى تحتية للدول وكذا المؤسسات الهيكلية. ولذلك فإن بناء السلام مرتبط بحفظ السلام، إذ يمثلان بعض المبادئ المشتركة وهذا الأمر كان بغرض إنجاح عمليات السلام. فمنذ سنة 1980 وقوات حفظ السلام وكذلك عدد كبير من النشطاء المدنيين في بناء السلام، إنتشروا داخل الدول وكان الغرض من ذلك الحفاظ على النظام فيها والمساعدة على تطبيق الاتفاقيات، فهناك عمليات جمعت حفظ السلام وبناء السلام.

مستويات بناء السلام
إن بناء السلام يقتضي دعوة جميع الأطراف ذات العلاقة من الجهات السياسية والمنظمات والنشطاء وممثلي الأثنيات من مختلف الجماعات داخل الدولة، التي تشجع العمل في مواجهة التحديات من خلال مفهوم أن التغيير يأتي من القاعدة للقمة، لأنه من القمة تأتي القرارات السياسية الحاسمة بينما التطبيق التفصيلي يكون من القاعدة، وبذلك تكون مساهمة الأفراد في تغيير الواقع سريعة وفاعلة، فكلما كان دور القاعدة كبيراً وشاملا كلما كان التغيير ومواجهة التحديات أسهل.

إن بناء السلام ينطوي على البحث في الأسباب العميقة للنزاع من خلال إعادة بناء البنى التحتية ككل، وهذا ما يدفع لإنهاء النزاع ككل. وحدد ليدراخ الفترة الزمنية لبناء السلام والتي يجب أن تكون طويلة المدى. كما يؤكد أن بناء السلام بشكل أساسي يعتمد على الدخول في علاقات، ويكون بناء السلام على عدة مستويات وتعمل معاً منها: مستوى القاعدة متمثلا بالشعب، ومستوى القيادة المتوسطة كرجال الدين على سبيل المثال وأساتذة الجامعات، ومستوى القيادة العليا كالقادة السياسيين.

إن بناء السلام لا يعالج فقط مخلفات الحروب والنزاعات وإنما يعالج أيضا الأسباب التي وقفت وراء نشوب النزاع، وإن دراسة بناء السلام تخلص إلى أن محاولات بناء السلام التي تتضمن تشجيع وتطوير الظروف الهيكلية، والمواقف، وأنماط السلوك السياسي التي قد تسمح بالرخاء الاجتماعي والاقتصادي السلمي المستقر والمزدهر في نهاية المطاف، ويذكر أن هناك أربعة عناوين رئيسية تتعلق ببناء السلام وهي : توفير الأمن، وإقامة الأسس الاجتماعية والاقتصادية للسلم على المدى الطويل، ووضع الإطار السياسي للسلام على المدى الطويل، وتوليد المصالحة والتي تعني الشفاء من جراح الحرب واقامة العدالة.

ويدور النقاش حول ما إذا كان مصطلح (بناء السلام) يشير إلى الإنهاء المباشر للعنف أو ما إذا كان يعالج العنف الهيكلي (والعنف الهيكلي هو إحدى الطرق لوصف الترتيبات الاجتماعية التي تضع الأفراد والسكان وفقا لترتيبات أو هياكل معينة، كونها جزء لا يتجزأ من التنظيم السياسي والاقتصادي لعالمنا الاجتماعي، ومن امثلته التمييز مثلا في مجال التعليم، التوظيف، الرعاية الصحية، العولمة في الاقتصادات، انكار الحقوق والحريات، الفصل العنصري).

ويشير العنف الهيكلي إلى الإعاقات، والفوارق، وحتى الوفيات التي تنتج عن تمييز الأنظمة أو المؤسسات أو تفي السياسات باحتياجات بعض الناس وحقوقهم على حساب الآخرين الذين هم من أصل إثني أو ديني أو طبقي أو سن مختلف. فالعديد من الدول غير قادرة على توفير بيئة يستطيع الناس فيها تلبية احتياجاتهم الأساسية، كما في المجتمعات التي تسمح بالتفاوت الاقتصادي والاجتماعي أو تشجعه، وتستبعد بعض المجموعات من المشاركة في صنع القرار والحياة العامة، أو الضرر المباشر تجاه بعض الناس.

كما أن منأانواع العنف الأخرى هو العنف المباشر، ومن أمثلته القتل والضرب والتعذيب، والعنف الثقافي، ومن أمثلته الكراهية والخوف وعدم الثقة والتمييز على أساس الجنس وكذلك التعصب. وإن مهمة بناء السلام بعد انتهاء النزاع تصبح كبيرة جدا، ومن الصعب جدا تقييمها، والأمم المتحدة أحيانا تتردد في استخدام مصطلح (بناء السلام) للإشارة إلى الجهود التي تعالج العنف الهيكلي. كما تشعر الحكومات في دول ما بعد النزاع بالقلق إزاء "تحول المهمة" أو تطور الأهداف، كما حدث في العراق، حيث ان الجيش الأمريكي نقل مهمته المعلنة عدة مرات، من إزالة صدام حسين للقضاء على أسلحة الدمار الشامل، ووضع دستور عراقي، وإقامة الديمقراطية واجراء الانتخابات، والتوفيق بين الجماعات الإثنية في العراق، وعندما لا تتدخل الأمم المتحدة أو لا يكون للحكومات هدف ملموس، مثل التوصل إلى اتفاق سلام موقع، يصبح من الصعب تقييم متى يمكنهم ترك السياق ونقل السلطة بشكل مناسب إلى القادة المحليين. ويصر آخرون على أن يشمل مصطلح (بناء السلام) أيضا الجهود الرامية لمعالجة الأسباب الجذرية للنزاع العنيف.

يشير معهد الدبلوماسية المتعددة المسارات ثلاثة أنواع واسعة النطاق لبناء السلام وهي:
أ. بناء السلام السياسي: هو الاتفاق حول القضايا القانونية، ويشمل المفاوضات الرسمية، والدبلوماسية، وما إلى ذلك.
ب. بناء السلام الهيكلي: وهو الذي يتعلق بالبنية التحتية، ويشمل بناء الجوانب الاقتصادية، والعسكرية، والاجتماعية والثقافية التي تدعم ثقافة السلام من خلال أنشطة مثل توعية الناخبين، ونزع سلاح المتحاربين والأحزاب، وتدريب الشرطة، وبناء المدارس، والحكم الرشيد.
ج. بناء السلام الاجتماعي: وهو يشمل العلاقات والتعامل معها، كالمشاعر، والمواقف، والآراء، والمعتقدات، والقيم، وذلك من خلال الحوار وعمليات وأنشطة بناء المجتمع المحلي، والتدريب على ذلك.

وبالمثل، يقول الباحث الاسترالي كيفن كليمنت إن بناء السلام هو الكشف عن الأقوياء، ومحاولة اقامة تعادل في العلاقات غير المتكافئة، فهو يضع التركيز على العدالة والإنصاف بدلا من التركيز على الحفاظ على الانسجام والنظام السياسي، ويسعى بناء السلام إلى منع النزاع، والحد منه، وتحويله، ومساعدة الناس على التعافي من العنف بجميع أشكاله.

ويتطلب بناء السلام مجموعة من المستويات وهي كالتالي:
1. الدعوة إلى التغيير: يسعى المدافعون فيها والناشطون إلى كسب التأييد للتغيير مما يزيد من قدرة المجموعة على معالجة القضايا، وتنضج الظروف اللازمة لذلك.
2. الحد من العنف المباشر: يسعى الفاعلون إلى الحد من العنف المباشر عن طريق تقييد مرتكبي العنف، وتخفيف المعاناة المباشرة لضحايا العنف، مما يهيئ حيزاً آمنا لأنشطة بناء السلام في الفئات الأخرى التي تتصدى لها.
3. تحويل العلاقات: الهدف هو تحويل العلاقات المدمرة والتعامل مع مجموعة من العمليات التي تعالج الصدمة، وتحويل الصراع واستعادة الشعور بالعدالة. هذه العمليات تعطي الناس فرصاً لتلبية احتياجاتهم وخلق حلول طويلة الأجل ومستدامة.
4. بناء القدرات: تعزز جهود بناء السلام الأطول أجلاً القدرات القائمة وتلبية الاحتياجات والحقوق ومنع العنف. وتهدف هذه الأنشطة إلى بناء هياكل عادلة تدعم ثقافة السلام المستدامة.

معرض الصور