16/01/2024

الإجراءات الأمنية والاصلاحية لبناء السلام

فهيل جبار جلبي
تعاني مجتمعات ما بعد النزاع أوضاع صعبة جداً، ولغرض بناء السلام لابد من القيام بمعالجة هذه الاوضاع، واتخاذ العديد من الاجراءات، كون النزاع قد مزق مؤسسات الدولة والخدمة ونظم الحكم في الدولة، حيث تواجه مجتمعات ما بعد النزاع تحديات كبيرة تتمثل في نزع السلاح، وإزالة الألغام، وإعادة القانون والنظام والخدمات الأساسية، وإعادة اللاجئين والمشردين، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وإعادة تأهيل البنى التحتية، وكذلك تعزيز الحوار بين مختلف المجموعات العرقية والقومية والدينية، وملء فراغ السلطة، وكذلك الحاجة لضمانات أساسية للقادة كي يشاركوا في العملية السياسية، وبالتالي تمثيل كافة الجماعات في المؤسسات الحكومية المختلفة.

وعليه سنقسم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب لغرض توضيح هذه الاجراءات الأمنية والاصلاحية، بحيث سنتناول في المطلب الأول نزع السلاح، وفي المطلب الثاني سنبين ادارة مشكلة الالغام، اما المطلب الثالث فسنخصصه لاصلاح القطاع الأمني (قوات الشرطة).

نزع السلاح
نزع السلاح هو"جمع وتوثيق وضبط والتخلص من الأسلحة الصغيرة والذخائر والمتفجرات والأسلحة الخفيفة والثقيلة من المقاتلين، وكثيراً ما تجمع أيضاً من المدنيين. وتشمل عملية نزع السلاح أيضاً تطوير برامج إدارة السلاح بشكل مسؤول". والتسريح هو الإعفاء الرسمي للمقاتلين الفعليين من القوات المسلحة أو المجموعات الأخرى المسلحة. وأول مرحلة من التسريح قد تمتد من عملية تسريح المقاتلين الأفراد في مراكز مؤقتة إلى الأعداد الكبيرة في مجموعات في مخيمات تقام لهذا الغرض (معسكرات، مخيمات، مناطق تجمع أو ثكنات). أما المرحلة الثانية فتشمل حزمة الدعم المقدمة للمسرحين، والتي يطلق عليها إعادة الإسكان او الدمج. وتتولى القوات الأمنية الوطنية وبالمشاركة مع قوات حفظ السلام الدولية مهمة مراقبة نزع السلاح من الأطراف المتنازعة تنفيذاَ لاتفاق وقف إطلاق النار، أو بعد انتهاء النزاع باي صورة كانت، ويكون نزع السلاح عبر جمع الأسلحة الخفيفة والثقيلة من المحاربين والمدنيين، وتوثيقها والتخلص منها.

الهدف من عملية نزع السلاح هو الإسهام في الأمن والاستقرار في مناطق ما بعد النزاع من أجل الشروع في حياة جديدة تنعم بالسلام وتهيئة البيئة المناسبة للارتقاء بالعملية السياسية، ويمثل وقف انتشار الأسلحة وازالتها في نهاية المطاف تحقيقاً لهدف الأمم المتحدة في حفظ السلم والأمن الدوليين عبر منع تسلح أي جهة غير حكومية، الأمر الذي يقلل من حدوث نزاعات مسلحة، كما في دول مثل بوروندي وساحل العاج، والكونغو الديمقراطية وليبيريا والسودان.

وقد أفاد تقرير السيد الأخضر الأبراهيمي الصادر في أغسطس 2000، على أهمية جميع وكالات الأمم المتحدة، وصناديقها وبرامجها العاملة، والمشاركة في عمليات الأمم المتحدة للسلام، التي تعمل في اتجاه تحقيق نفس الهدف. ولأن نزع السلاح والتسريح واعادة الدمج عملية متعددة الأبعاد وتستقطب خبرة عدد من الجهات الفاعلة لدعم مسرح العمليات، فإنه لا بد من وجود نهج متكامل لضمان أن هذه الجهات الفاعلة والعمليات تعمل بتناسق وفي نفس الاتجاه لنهاية واحدة. وهذا بدوره يحتاج لمبادئ وسياسات وبنى وعمليات جيدة وشاملة لارشاد وتطبيق العمليات المتكاملة.

وكجزء من عملية بناء السلام بشكل رسمي في الدول الخارجة من نزاع مسلح، فإن نزع السلاح والتسريح وإعادة دمج المقاتلين المسلحين سواء من القوات المسلحة الحكومية أو المجموعات والقوات المسلحة غير الحكومية يمكن أن يساعد في إيجاد جو من الثقة والأمن الضروريين لبدء أنشطة العودة للحياة الطبيعية.

وتتم عادة الموافقة على تثبيت عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج خلال وقف اطلاق النار، أو نهاية العمليات المسلحة أو خلال عملية سلام شاملة. مما يوجد إطار عمل سياسي وعملي وقانوني ملزم قانوناً. ورغم ذلك فإنه في العديد من حالات ما بعد النزاع، لم تكن الأطراف المتنازعة التي اتفقت على وقف إطلاق النار أو وقعت اتفاقية سلام تثق ببعضها ولا تمتلك القدرة على تصميم أو تخطيط أو تطبيق برنامج نزع سلاح وتسريح وإعادة دمج. عليه يتم الطلب من طرف ثالث كالأمم المتحدة ليكون وسيطاً لاتفاقية عملية السلام وتوفير المساعدة لتخطيط وتطبيق عمليات بناء السلام.

إن نزع السلاح والتسريح، متبوعين بإعادة الدمج على المدى البعيد للمقاتلين السابقين في الحياة المدنية، كل ذلك يساعد على التعامل مع المشاكل الأمنية التي تحدث بعد النزاعات وذلك بتوفير بديل للمقاتلين السابقين عن مصادر كسب العيش (المعيشة) وشبكات الدعم العسكري التي قد يكونون اعتمدوا عليها خلال فترة النزاع، والتي لم تعد صالحة أثناء مرحلة النزاع. على أن برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج لوحدها لا تستطيع حل النزاع أو منع العنف ولكنها، على كل حال، يمكنها المساعدة في ايجاد بيئة آمنة من أجل استمرار عناصر استراتيجية بناء السلام، بما في ذلك إدارة السلاح، وإصلاحات قطاع الأمن، وكذلك إصلاح الانتخابات وسيادة القانون.

هذه الرؤية لبرنامج نزع السلاح والتسريح واعادة الدمج لها عدة معان ضمنية سياسية وعملية منها:
1. يجب أن تتعامل عمليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج بشكل كامل مع جميع أوجه نزع السلاح وضبط وإدارة الأسلحة. فبينما يركز برنامج نزع السلاح على الاستقرار الفوري للقضية في دولة ما من خلال عملية نزع السلاح، فإن الاستقرار على المدى البعيد لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال برامج مسؤولة ومدروسة بعناية لإدارة الأسلحة.

2. يجب أن تدعم برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج عملية تحويل المقاتلين إلى مواطنين منتجين. هذه العملية تبدأ في مرحلة التسريح حيث يتم خلالها تفكيك بنية القوات أو المجموعات المسلحة ومن ثم ينال المقاتلون الوضع المدني بشكل رسمي.

3. الهدف النهائي لبرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج هو منع عودة النزاع العنيف، أي جعل السلام غير قابل للنقض وأيجابيا. ومن أجل تحقيق ذلك فإن على برامج نزع السلاح أن تشجع الاطمئنان والثقة والتعامل مع جذور مشكلة النزاع.

4. برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج عملية مرنة يجب أن يتم تكييفها بما يختص بحاجات كل بلد (وإقليم) بذاته. وبحسب الظروف، فإنه ليس من الضروري تطبيق جميع جوانب البرنامج في بعض الحالات، وقد لا يتم تنفيذهم بنفس الترتيب في كل عملية. وإعادة الدمج هي العملية التي يحصل فيها المقاتلون السابقون على وضع المواطن ويحصل على وظيفة ودخل دائمين. إعادة الدمج هي بالضرورة عملية اجتماعية واقتصادية بإطار ووقت مفتوح، ويحدث بشكل أساسي في مجتمعات على المستوى المحلي، وهي جزء من التنمية العامة للبلاد وهو مسؤولية وطنية، وعادة ما تتطلب بالضرورة مساعدة خارجية على المدى البعيد.

هناك خمس فئات من الناس يجب أخذهم بعين الاعتبار في برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج:
1. المقاتلون الذكور والمقاتلات الإناث.
2. الأطفال المرتبطين بالقوات والمجموعات المسلحة.
3. أولئك الذين يقومون بأدوار ليست قتالية (بما في ذلك النساء).
4. المقاتلون السابقون ذوي الإعاقات والأمراض المزمنة.
5. التابعون/ المعولون.

يعد نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج خطوة أولية في سلسلة من عمليات بناء السلام، حيث تركز خطوة نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج على الإدارة الفورية للأشخاص الذين كانوا مرتبطين سابقاً بالقوات والمجموعات المسلحة. هذه الخطوة تضع الأعمال على الأرض من أجل حماية واستمرارية المجتمعات التي يمكن أن يعيش فيها هؤلاء الأشخاص كمواطنين ملتزمين بالقانون، كما تبني هذه الخطوة أيضاً، على المدى البعيد، القدرة الوطنية لبناء السلام والأمن والتنمية، ومارست عمليات حفظ السلام الدولية دوراً مهماً في تجريد الجهات غير الحكومية من السلاح، إذ عملت على نزع سلاح الميليشيات في دارفور ومنعت تسلّحها فضلاً عن حصر السلاح بيد الدولة، وذلك بعملية مشتركة مع الاتحاد الأفريقي بموجب قرار مجلس الأمن المرقم (1769) لعام 2007.

ونرى أن المسؤولية الأساسية لبرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج تقع على عاتق اللاعبين الوطنيين، ودور الأمم المتحدة هو دعم العملية كلاعب محايد، ولكن لا بد من مساعدات تقدم للحكومة في هذه المرحلة من قبل المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني والاحزاب الوطنية.

معرض الصور