22/01/2024

إعادة إدماج السكان المهجرين وبناء السلام

فهيل جبار جلبي
إن السكان المهجرين كاللاجئين أو المشردين داخلياً سواء في مخيمات أو لدى مجتمعات محلية أو أسر مضيفة أو في المدن قد يكون حالهم خطراً، او يعيشون ظروف صعبة نتيجة تركهم بيوتهم عند نشوب النزاع، وهاجروا حماية لارواحهم، ويجب على الدول اتخاذ المزيد من التدابير لضمان عودتهم الى مناطقهم ومنازلهم، التدخلات الهادفة لمساعدة النازحين داخلياً واللاجئين العائدين إلى ديارهم في الدول الهشة ستنجح اذا ما انتبهت إلى السياقات السياسية والاقتصادية المحلية في أعقاب الحرب نظراً لعمق تأثيرها على إعادة إدماج السكان المتأثرين بالحرب. وتهدد النزاعات على الأراضي بين جماعات السكان المتأثرين بالحرب جهود السلام في كثير من البيئات الهشة ما بعد النزاع، وخلال الحرب الأهلية في ليبيريا التي دامت 15 عاماً، هرب قرابة مليون شخص من ديارهم اما نزوحاً في بلدانهم أو لجوءاً إلى الخارج تاركين بيوتهم وأراضيهم خلفهم. وعندما عاد بعضهم إلى ممتلكاتهم خلال مرحلة إعادة البناء بعد النزاع، وجد الكثير من هؤلاء العائدين ان غرباء قد استولوا على عقاراتهم، ما قاد إلى تصاعد التوتر والنزاعات على الأراضي.

يندرج النازحون بصورة قسرية في داخل البلد بسبب النزاعات تحت فئة شبيهة باللاجئين، ويتلقون الدعم بدرجات مختلفة (ضمن إطار عمل قانوني معترف به دولياً لحماية اللاجئين)، فلقد شهدت ليبيريا حربين أهليتين (1989-1996 و 1999-2003). ومنذ عام 2003، أصبحت ليبيريا هدفاً للجهود الدولية الرامية إلى بناء قدرات الدولة وإعادة إدماج السكان المتأثرين بالحرب. ويواجه تحديات مشابهة لذلك كل من اللاجئين والنازحين والمحاربين السابقين، ويُنظر إلى كل منهم على أنهم جماعات منفصمة العلاقات مع مجتمعاتهم المحلية الأصلية ما يجعلهم بحاجة للدعم. والتدخلات الهادفة إلى تعزيز إعادة إدماجهم المستدام يشبه بعضها بعضاً إلى درجة كبيرة. لكن الوضع على أرض الواقع قد يختلف عن ذلك تماماً، فقد تكون المصالح متعارضة كما قد تختلف نتائج التدخلات لإعادة إدماج المقاتلين السابقين عن نتائج إعادة إدماج المهجَّرين قسراً في سياق إعادة بناء الدولة.

من هنا لا بد من فهم الواقع السياسي المحلي بعد الحرب، لأن ذلك الفهم يمثل عنصراً حاسماً في إنجاح أو إخفاق جهود إعادة دمج العائدين. ولا بد للمجتمع الدولي العمل على ما يلي: ملاحظة السياقات السياسية المحلية والاقتصادية عند تدخله في مساعدة النازحين واللاجئين في الدول الهشة، وترجمة المعايير والقواعد الدولية كتلك الموصوفة لإعادة إدماج المقاتلين السابقين والمهجرين قسراً وتبنيها وفقا للسياقات الخاصة بالأنظمة السياسية المحلية الناشئة في الدول الهشة لضمان حدوث تأثيرات حقيقية على أرض الواقع، وكذلك تأسيس برامج إعادة الاندماج الخاصة بكل من المقاتلين السابقين والمهجرين السابقين على حد سواء على البحوث المبنية على الأدلة، مع الأخذ بالاعتبار الوضع السياسي والاقتصادي الحقيقي في الدول الهشة ما بعد الحرب، كما حدث في الصومال خلال الاعوام 1991-1992. فقد فشلت كل الجهود الدولية في ايجاد تسوية سياسية للحرب الاهلية الصومالية، نظراً الى اتساع الاهداف التي حكمت هذه العملية وغموضها، وتمثلت بمهام غير مسبوقة للامم المتحدة تمثلت في نزع اسلحة الفصائل الصومالية وحفظ الامن الداخلي، وهو ما سبب المواجهة بين القوات الدولية والفصائل الصومالية، ومن الضروري توفير الفهم الأفضل حول هشاشة الدول وأن يصاحب هذا الفهم تحسينات في السياسة والتمويل المتعلقين بالسكان المهجرين لمنع انتشار المزيد من النزاعات الإقليمية.

توضح هذه الأمثلة مضمونات السياسات لكل من البلد المضيف والمجتمع الدولي للمانحين الإنسانيين ومنظمات المساعدات الإنسانية. وبالنسبة للبلد المضيف، لا بد من تقديم الدعم للاجئين الوافدين، ولا بد من معالجة مطالبهم بسرعة ولا بد من تقديم المساعدة في العثور على وظيفة مجزية ومكان دائم للعيش فيه. ذلك لان عمليات التشريد تؤدي الى زيادة ملحوظة في عدد الوفيات مثلما حدث للاجئين الروانديين في جمهورية الكونغو الديمقراطية، اضافة الى سوء التغذية وانتشار الامراض وخاصة بين الاطفال، أما بالنسبة للمنظمات غير الحكومية، فيعد تمويل هذه المخرجات الإيجابية أمراً مهماً للغاية. ومع ذلك، لن تتحقق الحلول المستدامة للسكان المُهجَّرين إلا من خلال ممارسة الإرادة السياسية واتخاذ القرارات الذكية والقائمة على الأدلة، فبغير ذلك سوف نستمر في رؤية ما يمكن تشبيهه بسلسلة التفاعلات للنزاعات المدنية في الدول الهشة المنتشرة إلى دول الجوار.

تكون معالجـة الأسـباب الجذريـة لحركـات الـنزوح الكـبرى للاجـئين والمهاجرين بسبب النزاع، بوسائل منها زيادة الجهود الرامية إلى الوقايـة المبكـرة مـن حـالات الأزمـات علـى أساس الدبلوماسـية الوقائيـة. وستعالج هـذه الأسـباب أيضـا عـن طريـق منـع نشـوب النزاعـات وتسويتها بالوسائل السلمية، وزيادة تنسيق الجهـود الإنسـانية والإنمائيـة وجهـود بنـاء السـلام، وتعزيـز سـيادة القـانون علـى الصـعيدين الـوطني والـدولي، وحمايـة حقـوق الإنسـان.

يتبين مما سبق ان إعادة إدماج السكان المهجرين والنازحين لن تتم مالم تتوفر لهم بعض الجوانب كالأمن والطرق التي توصلهم الى ديارهم والمساعدات التي تمكنهم من إعادة بناء بيوتهم أو ترميمها وشراء الادوات التي قد تكون قد سرقت اثناء النزاع، كذلك توفير فرص عمل وإن لم تكن باجور عالية، حيث أن أغلبهم يعودون إلى مناطق فقيرة ومهمشة وتنعدم فيها فرص العمل والحياة الكريمة، والمثال على ذلك ما حدث في الموصل. وكذلك أظهرت تجربتنا في زمار ذلك، حيث أننا وعند القيام بتنفيذ مشروع المنظمة الدولية للهجرة (IOM) المتعلق ببناء السلام والتماسك الاجتماعي في محافظة نينوى، التمسنا هذه الجوانب على لسان أهل هذه المنطقة.

ينبغى رؤية مؤشرات أخرى للتقدم في عملية إعادة الإدماج، بما في ذلك إنشاء بعثة بناء السلام، ومكتب دعم بناء السلام، وصندوق بناء السلام، حيث أن هناك فرصاً إضافية لحشد الموارد ووضع استراتيجيات متكاملة لإعادة الاندماج والإنعاش في مرحلة ما بعد الصراع في المجتمعات التي مزقتها الحروب. وينبغي بذل كل جهد لضمان التأثير الملموس لتلك الابتكارات على نوعية الحياة وعلى استدامة إعادة الاندماج في المناطق التي يعود اليها هؤلاء الناس، فقد يكون النازحون منتقلين بين مكان وآخر، أو في الخفاء، أو مجبرين على التواجد في بيئات غير مضيافة أو غير صحية، أو يواجهون ظروفاً أخرى تجعلهم متضررين بشكل خاص. ويمكن الإضرار بالروابط الاجتماعية للمجتمعات النازحة بسبب الانتقال الجسدي، ويمكن تفكيك أو انفصال الأسر، كما قد تضطر النساء إلى ممارسة أدوار غير تقليدية أو مواجهة ظروف محددة صعبة.

وقد تم تطوير إطار لوضع حقوق النازحين في حلول دائمة بناء على طلب الأمين العام السابق للأمم المتحدة (بان كي مون) حول حقوق الإنسان للنازحين داخلياً. ويشتمل الإطار على إسهامات الحكومة والمانحين والوكالات الدولية والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني ومنظمات النازحين داخلياً، ودعم هذا القانون الدولي الإنساني والذي يعكس مقاربة مبنية على حقوق الإنسان بهدف إيجاد مجموعة من المعايير للأطراف المعنية لتقييم ما إذا تم إنجاز الحل الدائم. وقد وضعت اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات التابعة للامم المتحدة ثمانية معايير مترابطة كمؤشرات لتحديد المدى الذي وصل له تحقق حل دائم ما وهي:
1- الأمان والسلامة
2- مستوى مناسب للمعيشة
3- فرصة الحصول على مصدر رزق
4- إعادة السكن والأرض والممتلكات
5- الحصول على التوثيق الرسمي
6- لم شمل الأسرة
7- المشاركة في الشؤون العامة
8- إمكانية الحصول على حلول فعالة وعلى العدالة.

معرض الصور