تم التحديث: ٩ أغسطس ٢٠٢٥ 21:19:01

من سانتياغو إلى الخرطوم: الدرس الديمقراطي وسط ركام الحرب
عبد الناصر فضل
في السودان اليوم، وسط أزيز الرصاص وغياب الدولة، تبدو فكرة الانتقال الديمقراطي وكأنها رفاهية مؤجلة. لكن التجارب البعيدة، مثل تجربة تشيلي في ثمانينيات القرن الماضي، تذكّرنا أن الطريق إلى الديمقراطية قد يبدأ حتى من قلب القمع، إذا وجدت القوى المدنية ما يكفي من التنظيم والصبر.
في 1973، أطاح الجنرال أوغستو بينوشيه بالرئيس المنتخب سلفادور أليندي، لتدخل البلاد في عقد ونصف من الحكم العسكري الصارم. كانت القبضة الأمنية تطال الجامعات والنقابات والمهن الحرة، وتغلق أي نافذة للتعبير المستقل. ومع ذلك، ظهرت في الظل شبكات مقاومة هادئة: منظمات حقوقية توثق الانتهاكات، محامون يلاحقون السلطة في ساحات القضاء، ونقابات تعيد تنظيم صفوفها بعيدًا عن العيون.
بمرور الوقت، تحولت هذه الجهود المتفرقة إلى تحالف واسع: ديمقراطيون مسيحيون، اشتراكيون، شيوعيون، ليبراليون، جميعهم تحت راية واحدة — إنهاء الحكم العسكري. النقابات لعبت دورًا حاسمًا عبر إضرابات شلت الاقتصاد وربطت قوت اليوم بحرية الغد. حتى الدستور الذي وضعه بينوشيه لحماية نفسه تحوّل إلى أداة لإزاحته، حين فاز معسكر "لا" في استفتاء 1988 بنسبة 56%.
عرف السودانيون هم أيضًا كيف يصنعون لحظة جماهيرية حاسمة، كما حدث في ثورة 2019، حين امتلأت الشوارع بالملايين مطالبة بإنهاء الحكم العسكري. لكن الفرق اليوم أن الطريق أمام الانتقال الديمقراطي لا تعترضه فقط الانقسامات السياسية، بل أيضًا حرب أهلية مستعرة تفتت البلاد وتعمّق النزوح والجوع.
هذه الحرب لم تفرغ مؤسسات الدولة فحسب، بل أفرغت المجال المدني نفسه، وجعلت النقابات والمهنيين أمام سؤال وجودي: كيف تحافظ على صوتك وتخطط للمستقبل بينما المدينة التي تعيش فيها مهددة بالانهيار؟
يمكن للسودان أن يستفيد من التجربة التشيلية إذا استطاعت قواه المدنية أن تتجاوز الخلافات الأيديولوجية وتضع هدفًا واحدًا أمامها، وهو إنهاء الحكم العسكري والحرب معًا. هذا يتطلب قدرًا من المهنية السياسية التي تحول القانون والدستور إلى أرضية جامعة بدل أن يكونا أدوات صراع، كما يحتاج الغضب الشعبي إلى أن يقترن بقيادة خبيرة في السياسة والاقتصاد والإعلام لتوجيهه نحو نتائج ملموسة. والأهم أن يكون الخطاب العام مبنيًا على الأمل لا الانتقام، بحيث يطمئن المترددين بقدر ما يحشد الغاضبين. ولأن الديمقراطية لا تعيش إلا إذا وجدت مؤسسات تحميها، فإن إشراك النقابات في مسار الانتقال يصبح ضرورة، ليس فقط لضمان استمرار الحياة الديمقراطية بعد سقوط الطغيان، بل أيضًا لمعالجة جذور الحرب حتى لا تعود.
الخلاصة:
كما أظهرت "الحكومة الأهلية" في بعض مناطق السودان قدرة الناس على تنظيم حياتهم في غياب الدولة، فإن التجربة التشيلية تُظهر قدرة القوى المدنية على تغيير النظام حتى في أحلك الظروف. الفرق أن السودان اليوم يواجه تحديًا مزدوجًا: إسقاط الاستبداد، وإيقاف نزيف الحرب.
ومن سانتياغو إلى الخرطوم، الدرس واحد: لا ديمقراطية بلا وحدة، ولا وحدة بلا سلام

